داوود عبد السيد: حين تتحوّل السينما إلى اختبار وجودي للذات والوعي
د. ماهر عبد المحسن
منذ بدأنا الكتابة في مجال النقد السينمائي، ونحن نميل إلى الربط بين الفلسفة، خلفيتنا الفكرية التي ننطلق منها، والأفلام الروائية، عشقنا الذي لا ينتهي. وفي هذا السياق، كتبنا “العنوسة في السينما المصرية.. رؤية وجودية” و”الفلوس.. من منظور أخلاقي” و”نادي الرجال السري.. من المعاقبة إلى المراقبة” و”الفيل الأزرق٢.. صراع بين الخرافة والخرافة” و”خان تيولا.. عندما يصير الرعب فلسفة” و”موسى.. ملامح فلسفية لسينما جديدة” و”برا المنهج.. دروس إنسانية خارج المقرر”.
كان طموحنا أن نعمل على تأسيس نوع من النقد الفلسفي يكون موضوعه الأفلام الروائية، وهو اتجاه ليس جديدًا تمامًا، لكنه أصبح شائعًا في السنوات الأخيرة في الفكر الغربي، خاصة أن الفلسفة المعاصرة، في سياق تجديدها لدمائها وبحثها عن روح جديدة تناسب العصر، اتجهت نحو مجالات أكثر حيوية، واقعية وثقافية، مثل السينما والأدب والحياة اليومية.
وبالرغم من أن المناخ كان مغريًا، والتجربة مواتية، غير أن الواقع الإبداعي السينمائي العربي لم يكن مشجعًا، نظرًا لقلة الأعمال التي تحمل مضامين فلسفية. وبهذا المعنى، لا يجد الناقد الراغب في ممارسة النقد الفلسفي للأفلام سوى تأويل الأعمال الواقعية ذات الأبعاد الاجتماعية والنفسية بحيث تتماس مع الفلسفة بوصفها تجارب وجودية تعيشها شخصيات العمل المأزومة. غير أن هذا النقد، مهما كان حصيفًا، سيغيب عنه بالضرورة البعد المعرفي الذي يتأسس عليه الوعي المأزوم أو الشقي بتعبير هيجل.
والسبب يرجع إلى أن القضايا الاجتماعية التي تعالجها السينما العربية لا تطرح أسئلة وجودية تتعلق بالشك والإيمان، ولا تبحث في يقينيات ميتافيزيقية تخص الما وراء بقدر ما تطرح أسئلة ذات طابع سياسي واجتماعي، وتبحث عن معنى جزئي لحياة الفرد الذي يعاني شقاءً يوميًا لا ينتهي.
يستثنى من ذلك المخرج الكبير، الذي رحل عن عالمنا منذ أيام، داوود عبد السيد. وهو المخرج الذي نجح، رغم قلة أعماله، في أن يحول الواقع الاجتماعي إلى ميتافيزيقا، وأن يجعل من الميتافيزيقا شأنًا يوميًا وسؤالًا ملحًّا لدى رجل الشارع العادي، أو مثقف هذا العصر الذي يشعر بالهشاشة الداخلية إزاء عالم زائف، لا يحتفي إلا بكل ما هو تافه ووضيع!
فإلى أي مدى نجح عبد السيد في تقديم سينما فلسفية اجتماعية تحتفي بالعادي، وتطرح أسئلتها من وحي الهم اليومي الذي يحاصر إنسان هذا العصر، ويكشف عن حجم التناقض الصارخ الذي يبطن خطاب السلطة وعرف المجتمع وعظة الدين؟

السينما حين تفكّر
ليس من السهل الحديث عن داوود عبد السيد بلغة الرثاء التقليدي. فموته لا يستدعي تعداد الأعمال أو استعادة المحطات، بقدر ما يفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا يعني أن يغيب مخرج جعل من السينما شكلًا من أشكال التفكير؟
لقد كانت أفلام داوود عبد السيد، منذ بداياته وحتى آخر أعماله، اشتغالًا دؤوبًا على منطقة نادرة في السينما العربية: منطقة التماس بين الحكاية والميتافيزيقا، بين اليومي والوجودي، بين الواقع بوصفه معطًى اجتماعيًا، والواقع بوصفه تجربة معيشة ملتبسة.
لم يكن عبد السيد مخرج قضايا، ولا صانع شعارات، ولا واعظًا بصريًا. كان أقرب إلى كاتب قلق يستخدم الصورة بدل الجملة، والمشهد بدل الفقرة، والصمت بدل الخطابة. ومن هنا، فإن مقاربة تجربته لا تكتمل إلا إذا نُظر إليها بوصفها مشروعًا فلسفيًا متخفيًا داخل السينما.
العالم المعيش والسينما بوصفها خبرة فينومينولوجية
تقوم سينما داوود عبد السيد على افتراض ضمني شديد الأهمية: أن العالم لا يُرى من الخارج، بل يُختبر من الداخل. الشخصيات لا تتحرك داخل فضاء موضوعي محايد، بل داخل عوالم إدراكية مشروخة، يتداخل فيها الواقع مع الرغبة، والخوف مع الذاكرة، والحلم مع الإحباط.
في “رسائل البحر”، لا تُقدَّم الإسكندرية بوصفها مدينة، بل بوصفها حالة شعورية. البحر ليس منظرًا، بل كيانًا صامتًا يستدعي الاعتراف، والعزلة، وإعادة ترتيب العلاقة مع الذات. البطل لا يهرب من المدينة، بل ينسحب من نمط وجودي استنفد معناه. هنا تقترب السينما من الفينومينولوجيا الهوسرلية، حيث يصبح السؤال: كيف يظهر العالم للوعي؟ لا، ما هو العالم؟
أما في “الكيت كات”، فإن الحارة الشعبية تتحول إلى عالم مكتمل، له منطقه الداخلي، وحكمته الخاصة، وإيقاعه الوجودي. المكان ليس فقيرًا، بل مكثف بالمعنى. والسينما هنا لا تصف الفقر، بل تكشف كيف يُعاش الفقر دون أن يُختزل الإنسان فيه.
الشيخ حسني أو الفلسفة الشعبية للحرية
شخصية الشيخ حسني في “الكيت كات” ليست شخصية كوميدية بقدر ما هي تصوّر فلسفي للحرية الداخلية. الرجل كفيف، لكنه يرى أكثر مما ينبغي، لا يملك شيئًا، لكنه لا يشعر بالحرمان، يعيش في واقع قاسٍ، لكنه يرفض أن يُختزل في هذا الواقع.

العمى هنا ليس نقصًا، بل مجازًا مضادًا: عمى الجسد يقابله انفتاح الوعي، في حين يعاني المبصرون من عمى آخر، هو عمى الامتثال والخضوع. الخيال الذي يعيشه الشيخ حسني – ركوب الموتوسيكل، سماع الموسيقى، إطلاق النكات – ليس هروبًا من الواقع، بل تعليقًا ساخرًا عليه، وكشفًا لزيف عقل عملي يطالب الإنسان بأن يكون “عاقلًا” حتى وهو مسحوق.
في هذا المعنى، يلتقي الفيلم مع تقاليد فلسفية غير أكاديمية: حكمة الهامش، وبلاغة المهمّش، والحرية التي لا تمر عبر الصدام، بل عبر إعادة تعريف الممكن.
“البحث عن سيد مرزوق” أو العبث بوصفه نظامًا

إذا كان “الكيت كات” فيلم الحرية الداخلية، فإن “البحث عن سيد مرزوق” هو فيلم الانسحاق داخل بنية غامضة. الفيلم لا يحكي قصة بحث عن شخص، بل بحث عن معنى داخل نظام بلا مركز. سيد مرزوق لا يظهر، وربما لا وجود له أصلًا. إنه دالّ فارغ، يشبه السلطة حين تتحول إلى شبكة إجراءات، لا إلى إرادة واضحة.
البطل هنا ليس ضحية فردية، بل نموذج لإنسان حديث يحاول أن يفهم القواعد، يظن أن الامتثال سيمنحه الأمان، يكتشف متأخرًا أن اللعبة لا تُكسب أحدًا.
الفيلم يشتبك بوضوح مع العبث الكافكاوي، لكنه يمنحه طابعًا محليًا: بيروقراطية بلا منطق، سلطة بلا وجه، وخوف بلا مبرر محدد. وهنا، لا يعود العبث حالة استثنائية، بل بنية اجتماعية كاملة.
“أرض الخوف” والمعرفة حين تتحول إلى تجربة حدّية

يُعد “أرض الخوف” ذروة المشروع الفلسفي لداوود عبد السيد. إنه فيلم عن المعرفة، لا بوصفها نورًا، بل بوصفها لعنة. البطل يدخل العالم السفلي مكلفًا بمهمة، لكنه يخرج منه محمّلًا بأسئلة لا تجد جوابًا داخل أي إطار أخلاقي بسيط. كلما تعمّق في التجربة، تآكلت هويته. لم يعد واضحًا: من هو؟ ولماذا يفعل ما يفعل؟ وأين تنتهي المهمة وتبدأ الرغبة؟ الفيلم يطرح سؤالًا وجوديًا بالغ القسوة: ماذا لو كانت المعرفة قادرة على تحطيم الذات بدل تحريرها؟
وهنا يتقاطع الفيلم مع فوكو في تحليله للسلطة والمعرفة، ومع هيدجر في حديثه عن التجربة الحدّية التي تخلخل الوجود الزائف دون أن تضمن الوصول إلى وجود أصيل.
“قدرات غير عادية” ونقد الوهم بوصفه وعيًا جمعيًا

في هذا الفيلم، ينتقل داوود عبد السيد من الذات الفردية إلى الجماعة. السؤال لم يعد: من أنا؟ بل: لماذا نصدّق؟ الفيلم لا يسخر من الإيمان، بل من الحاجة المرضية إلى المعجزة، من الرغبة في خلاص خارجي يعفينا من مسؤولية الفهم.
القدرات “غير العادية” ليست موضوع الفيلم الحقيقي، بل الاستعداد النفسي لتصديقها. وهنا، يقدم عبد السيد تحليلًا إبستمولوجيًا (معرفيا) للوعي الشعبي: كيف يتحول اليأس إلى معرفة زائفة؟ وكيف يُنتج الوهم بوصفه أملًا جماعيًا؟ الفيلم لا يدين، بل يشرح، لا يفضح، بل يفكك. وهو في ذلك شديد القسوة، لأنه يضعنا أمام مرآة وعينا الجمعي دون مواربة.
سينما السؤال المفتوح
لم يكن داوود عبد السيد مخرج إجابات، كان مخرج توترات. لم يمنح المتفرج طمأنينة، بل منحه قلقًا منتجًا، ولم يسعَ إلى خلاصات، بل إلى إبقاء السؤال حيًا. سينماه، في جوهرها، جزء لا يتجزأ من أي مشروع جاد في النقد الفلسفي للسينما العربية، لأنها تثبت أن التفكير لا يحتاج إلى خطاب مباشر، وأن الفلسفة يمكن أن تُمارَس بالصورة، بالصمت، وباللقطة الطويلة التي تترك المعنى معلقًا.
برحيله، لا نخسر مخرجًا فحسب، بل نخسر إمكانية نادرة للتفكير الهادئ في زمن الصخب. لكن أفلامه باقية، لا بوصفها آثارًا فنية فقط، بل بوصفها نصوصًا مفتوحة، قابلة للقراءة، وإعادة القراءة، تمامًا كما ينبغي للفلسفة أن تكون.
