“خروج آمن” لمحمد حماد: الفيلم المصري في مهرجان برلين
أمير العمري- برلين
الفكرة العامة لفيلم “خروج آمن” للمخرج المصري محمد حماد الذي يعرض في قسم “بانوراما” بالدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي، هي فكرة جيدة، كان يمكن أن تصنع عملا قويا مؤثرا، يعكس ملامح أزمة إنسانية كبرى في مجتمع يعاني من التمزق والتفرقة والتعصب الديني الذي ينتج العنف، سواء بشكله المباشر، أو الغير المباشر، الذي يتمثل في التهميش والإقصاء.
في فيلمه الأول “أخضر يابس” الذي ظهر قبل عشر سنوات، كان محمد حماد يتوقف أمام الوحدة والهمّ والحزن والموت والفراغ والرتابة، وكلها نغمات وأفكار كانت تخيم على هذا الفيلم القاتم بشخوصه ومواقفه، لكنه كان يتميز برقته وبراعة مخرجه في التعبير بالصورة وبالحركة البطيئة والتكوينات المدروسة، من خلال سيناريو يبدو كقطعة منتزعة من الواقع، من الحياة التي نعرفها ولكننا لا نراها، أو لا نريد أن نراها، كأن حركة الزمن توقفت وأصبح محكوما على بطلته الشابة التي شاخت قبل الأوان بالموت المبكر.
كان “أخضر يابس” بداية تبشر بمولد مخرج موهوب يمكنه أن يساهم في تغيير السينما المصرية. لكن الوقت انقضى دون أن نرى فيلمه التالي. ولابد أن تكون هناك عوامل عديدة، أدت إلى إجهاض مشروعه الثاني الذي كان يود إخراجه، ثم العودة للبحث عن تمويل لائق لفيلمه الجديد “خروج آمن” (2026) الذي شاركت في إنتاجه وتمويله جهات متعددة، من مصر وتونس وألمانيا وليبيا وقطر.
تدور أحداث الفيلم حول شخصية شاب مسيحي يدعى “سمعان” يعمل حارس أمن في عمارة سكنية، يعاني من اضطرابات نفسية نتجت عما شهده قبل عشر سنوات، عندما قُتل والده على أيدي تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا ضمن 21 مصريا مسيحيا أعدمهم التنظيم المسلح، وكان سمعان مع أبيه في أيدي التنظيم، إلا أن الجماعة الإرهابية أطلقت سراحه لسبب يقول إنه لا يفهمه.

كان والد سمعان يعمل حارس أمن في ليبيا، وقد ورث هو المهنة عن والده، لكنه لا يبدو منسجما في هذا العمل، فهو يود أن يصبح كاتبا روائيا، وهو ينتهز فرصة الراحة بين نوبات العمل (الذي يكون عادة في الليل) لكي يكتب روايته. وأحداث الفيلم كله نراها من وجهة نظر سمعان، كما أنه يقرأ أحيانا، من صفحات روايته أو يومياته التي يدونها في دفتر. هذا الأسلوب المتكرر، أي الاستعانة بالكلام المدون سواء في رواية أو يوميات وخواطر، لا نعرف بالضبط، يخصم كثيرا من الفيلم نفسه كفيلم يجب أن يعتمد أساسا، على الصورة والحركة والمواقف والاشتباك بين الشخصيات والعالم.. إلخ.
سمعان هذا يبدو مكتئبا عابسا، لأنه حتى بعد مرور عشر سنوات على مقتل والده، لايزال يعيش الصدمةـ خصوصا وأنه لا يشعر أيضا بالانسجام في المحيط.
عندما يبدو أن روايته قد اكتملت، يذهب بها إلى أحد الناشرين، فيطالبه بأن يتحمل تكاليف النشر بدفع 18 ألف جنيه لا يمكنه دفعها بالطبع، بالإضافة إلى أن شقيقه “ميلاد” الذي كان يقطن في غرفة صغيرة مجاورة لغرفته فوق سطح البناية السكنية التي يعمل فيها، اعتدى على شخص ما، غالبا كرد فعل لإهانة ما وجهت إليه (الفيلم لا يكشف السبب كما لا يكشف الكثير من الدوافع والسلوكيات مما يتسبب في هلامية الشخصيات، وإضفاء جو غامض على الفيلم يما يضر به ولا يفيده.
ميلاد، شقيق سمعان، محتجز حاليا على ذمة التحقيقات، والمحامي الذي يلجأ إليه “سمعان” لتولي قضيته، يطلب منه مبلغ 20 ألف جنيه. لكنه يتمكن بالكاد من تدبير 14 ألفا يتركها للمحامي، معظم المبلغ حصل عليه من السيدة الطيبة المسنة التي تقطن إحدى شقق العمارة. وهي شخصية غامضة، لا نعرف مثلا لماذا تمنحه في البداية 10 آلاف جنيه، ولا تترك له فيما بعد 5 آلاف جنيه قائلة لكي ينفق منها على ما تطلبه من طلبات.
هذه السيدة لديها ولدان، هما “عبد الله” و”بلال”. ومن الواضح أن الشرطة تبحث عن عبد الله، وغالبا هو متورط في أعمال إرهابية. ومطلوب من سمعان تنبيهه بالضغط على جرس معين، كلما جاءت الشرطة، لكي يختبيء داخل خزان المياه الموجود فوق السطح. لكننا لن نعرف من يكون عبد الله ولا ماذا يفعل بالضبط وأين يذهب، ولماذا يعود، ولا نفهم طبيعة العلاقة بين هذه السيدة وسمعان. وهذه السمة العامة من الغموض وتعمد بتر بعض المواقف والمشاهد، ترهق المتفرج الذي يريد أن يتابع ويفهم. وهو اختيار مقصود بالطبع من جانب المخرج- المؤلف.

المال في الفيلم موضوع بارز في العلاقة بين غالبية الشخصيات: سمعان والناشر والمحامي وفاطمة. ولكن من هي فاطمة؟
“فاطمة” تظهر فجأة أمام سمعان في مدخل العمارة، لا نعرف من أين جاءت، الواضح أنها تنتمي للطبقة الفقيرة، وهي مصابة بالصرع، تريد زيارة عيادة طبيب في العمارة، تقول إنه يقوم بالكشف الطبي على المرضى بالمجان في يوم محدد من أيام الأسبوع. والطبيب يطلب منها إجراء صورة أشعة، ولكن الأشعة ستتكلف مبلغ 2500 جنيه لا تملكها، وعندما تتدبر الأمر، تعرف أنها مصابة بورم في المخ يقتضي إجراء عملية لا تملك ثمنها، لكننا مع كل سذاجتها وفقرها وكونها أيضا أمية، تبدو بحكم التجربة أكثر نضجا من “سمعان” فعندما يخبرها بأنه يكتب رواية عن تجاربه في الحياة وعمن يعرفهم ويمرون عليه، تسخر منه قائلة إنه لا يمتلك أصلا تجربة حقيقية، وإنه يجب أن يستمع إلى ما لديها من تجارب مريرة.
هناك ثلاثة أبواب يطرقها الفيلم: أولا موضوع المسيحي المضطهد في مجتمع “إسلامي”، وهو ما يعبر عليه في إشارات سطحية، كما عندما ينهاه “عم العربي” وهو رجل في عمر والده، وزميله في المناوبة الليلية في حراسة العمارة، عن إيواء فاطمة، قائلا إن وجودها يمكن أن يسبب له مشكلة كبرى كونها مسلمة وهو مسيحي. ورغم أن عم العربي يحرص على الصلاة، فهو لا يتردد في استغلال فاطمة لكي تمنحه جسدها مقابل السماح لها بالمبيت ليلة واحدة، ثم يطلب من سمعان إزالة صورة العذراء والمسيح من غرفة الاستراحة التي يصلي فيها، لأن وجوده- كما يقول- يمكن أن يفسد صلاته!
وهناك ساكن آخر في العمارة يتعامل بخشونة مع سمعان، كما أن بلال، يتطلع إليه بنظرات تنم عن الكراهية، كما نفهم ضمنا أن “عبد الله” المطلوب من الأمن، يهدده بالويل إن تقاعس عن مساعدته، وهو ما سيتجسد أكثر قرب النهاية، عندما يقع عبد الله في مأزق ويرتكب جريمة قتل.
أما الموضوع الثاني فهو يتعلق بالبعد الاجتماعي، بالفقر، بالحاجة إلى المال، وهو يتجسد أكثر في شخصية فاطمة، التي من الواضح أنها تبيع جسدها لكي تعيش، لكنها تعجز عن تدبير المبلغ المطلوب لإجراء العملية.. نراها فقط تعود بمبلغ يكفي لعمل الأشعة، لكننا لا نعرف أين ذهبت وكيف دبرت المبلغ، فهي تقول إن الأمر اقتضى أن تسافر وتذهب وتعود مرة ومرات، والفيلم لا يوضح لأن الأصل في السيناريو هو الإبقاء على الغموض.
سمعان أيضا يعاني من عدم توفر المال، فيعجز عن تدبير ما يطلبه المحامي، لكنه عندما ينجح في جمع المبلغ، يفضل أن يدفع للناشر من أجل نشر كتابه الذي نعرف مسبقا أنه سيكون بلا قيمة. وإذا تساءلنا لماذا هذا الإصرار على الكتابة والنشر؟ لا نعرفـ فالشخصية نفسها هي مجرد شخصية أحادية البعد، باهتة، ومما يضيف إلى عدم قدرة المتفرج على التعاطف معها، ضعف أداء الممثل مروان وليد.
ورغم الإشارات القوية للموضوع الثالث وربما هو الموضوع الذي كان يشغل بال محمد حماد وهو يكتب السيناريو، فهو موضوع العنف الناتج عن ثقافة التعصب والذي ينتج الإرهاب. لكن يعيبه كما ذكرت، غياب أي تعميق حقيقي للشخصيات أو تطوير للحبكة بما يكشف عن الجوانب الخافية في الشخصيات.
هناك اجتهاد في تقديم شخصية سمعان، وحرص على السرد في سياق هاديء، بعيد عن التوتر السطحي، يريد أن يميل أكثر للتركيز على الصراع الداخلي، إلا أن الفيلم يعاني من ضعف واضح في السيناريو والإخراج، فهو يجعل المتفرج غير قادر على “الاقتناع” بصدق ما يشاهده. وبالتالي يفشل الفيلم في تجسيد موضوع متماسك، مترابط، يركز على الفكرة الرئيسية، بل يتفرع في خيوط فرعية هائمة، لا يمكنه السيطرة عليها، ولا تطويرها كما كان ينبغي.
من ناحية السيناريو هناك كثير من الجوانب “المفقودة” التي تغيب عن السياق، سواء في علاقة المشاهد ببعضها البعض، أو فيما تتداعى إليه وما ينتج عنها، فهناك مثلا شخصيات تظهر وتختفي (مثل شخصية عم العربي)، ثم جوانب خافية، تغيب عمدا وتترك للمتفرج الاستنتاج، بينما كان من المهم أن يكشفها السيناريو لكي يحقق الإقناع، ففاطمة مثلا لا تجد مكانا تأوي إليه سوى اللجوء لسمعان الذي يخفيها لديه في غرفة شقيقه الغائب، وهي لا تملك المال، لكنها لا تتوقف عن تدخين السجائر، كما أننا لا نعرف من أين أتت بالمال الذي دفعته لإجراء الأشعة، ولا نعرف لماذا يصر سمعان على نشر كتاب لا يقدم شيئا، بل إنه يبدو مقتنعا بما تقوله له فاطمة، بما يعني افتقاده للتجربة الإنسانية الكافية التي تسمح له بأن يكون كاتبا.

يعاني الفيلم من التشتت في معالجة الأفكار المختلفة التي يمر عليها، دون إشباعها، مع غياب الخلفيات التي تجعل الكثير من شخصيات الفيلم شخصيات من لحم ودم، أي شخصيات حقيقية يمكن أن يفهمها المشاهد ويتعاطف معها أو ضدها. فنحن مثلا لا نعرف ماذا يفعل هذان الشابان: عبد الرحمن، وبلال، ومن هي الأم، هذه السيدة التي تعطف على سمعان وتمنحه مبلغا كبيرا من المال في البداية، هل هي مكافأة لكونه لم يشي بابنها عند استجوابه في مركز الشرطة؟ وأين ذهب عم العربي، ولماذا جاءت سيارة الشرطة وتوقفت أمام العمارة ثم اختفت، ومن أين جاءت فاطمة أصلا، وما هي الأشياء الكثيرة التي مرت بها في الماضي، ولماذا لم تلجأ لبيع حسدها لتدبير المال المطلوب للعملية؟!
وما أهمية موضوع السلسلة الذهبية التي تسرقها من سمعان لكنها لا تبيعها لأنها وجدت أنها مزيفة، لا قيمة لها، ثم تضعها حول رقبتها لأنها تتفاءل بها بعد ان توقفت نوبات الصرع التي تصيبها منذ أن ارتدتها؟!
هناك قفزات غير مبررة بل ومربكة، من مشهد إلى آخر، من دون أي رابط، مما يشتت الرؤية، ويرهق المتفرج. كما أن اهتمام المخرج المبالغ فيه، بالتركيز على لقطات قريبة تستغرق زمنا طويلا للوجوه، كثيرا ما يبدو تكرارا وبلا معنى.
وتفتقد كثير من اللقطات للمصداقية مثل لقطة الدماء التي تفيض بغزارة شديدة على الأرض عقب مقتل فاطمة، وسوف نعود إليها لنرى سمعان يقوم بإزالتها بصعوبة كما لو كانت قد التصقت في الأرض.
ولا يوجد معنى في أن يقوم بلال باختطاف سمعان داخل شاحنة يغلق بابها عليه ثم يتجه إلى الصحراء لدفن جثة فاطمة، هل كان يريده أن يساعده في دفن جثتها، أم أنه كان يخشى أن يبلغ الشرطة؟ مثل هذا الإبهام، وتعمد غياب الحوار الطبيعي في معظم مشاهد الفيلم، واللجوء إلى الصمت في معظم المشاهد، يقلل كثيرا من قوة تأثير الفيلم.
وربما يكون المشهد الوحيد الذي يتمتع بحوار “طبيعي” هو عندما تتحدث فيه فاطمة مع سمعان، فوق السطح، وتعلق على جهله بالعالم وتسخر من رغبته في أن يصبح روائيا، ثم تحدثه عن المغني الشعبي الراحل حسن الأسمر وولعها بأغانيه التي تعبر عن حزن دفين، ثم تشرع هي في الغناء. فشخصية فاطمة رغم غموض ماضيها، هي الشخصية الأكثر “طبيعية” في الفيلم والأقرب إلى تعاطف المتفرج.
تغيب الموسيقى عن الفيلم غيابا تاما، فحماد يكتفي بالأصوات الطبيعية، ما يصدر عن الراديو مثلا والتليفزيون وأصوات الشارع، لكي يضفي سمات الواقعية على فيلمه. وهو لا يخرج الى الشارع سوى مرة واحدة، ويبقي على شخصيات الفيلم حبيسة داخل العمارة، ويصور السلالم الخلفية، والسطح القذر وخزانات المياه الضخمة، ويتطلع من أعلى، من فوق السطح، إلى الشارع المزدحم، ولكن كثرة اللجوء إلى التعليق الصوتي من خارج الصورة، يختصم كما أشرت، من قوة السرد، بالإضافة إلى غياب الأداء المقنع، وترهل الإيقاع وهبوطه، وعدم القدرة على السيطرة على مشاهد بعينها كان يجب أن تصبح أكثر قوة، وأكثر وضوحا أيضا.
مشهد قتل فاطمة يعاني من الفقر الشديد من ناحية الإخراج، وكان يجب أن يكتسب قوة أكبر في التجسيد، كما أن مشهد فزع عبد الله وهو يوشك على الغرق داخل خزان المياه، هو مشهد هزيل، وبالتالي غير مقنع، فكيف يمكن أن يكون رد فعل شخص موشك على الموت اختناقا أو غرقا داخل خزان مياه مغلق عليه، على هذا النحو من الرخاوة والضعف بدلا من التعبير عن “الفزع الشديد” panic بالطرق المجنون على جدار الخزان؟!

وما يضيف عبئا ثقيلا على الفيلم، ذلك الأداء التمثيلي الهزيل بشكل عام، باستثناء أداء “نهى فؤاد” في دور فاطمة كما أشرت، فهي الوحيدة التي بدت طبيعية ومنسجمة مع الشخصية التي تؤديها. وشخصيتها المنبسطة، تعادل شخصية “سمعان” المنسحقة. ولاشك أن السبب في ضعف الأداء يعود إلى الضعف العام في رسم الشخصيات في السيناريو. فأداء مروان وليدـ رغم اجتهاده، شاحب، وأحادي البعد، وتغيب عنه الحرارة والقدرة على تجسيد المعاناة جراء التجربة القاسية التي مر بها في ليبيا مع والده الذي أعدم على أيدي داعش، بل يغيب عن الفيلم تجسيد تداعيات الحالة النفسية في صورة كوابيس ليلية مفزعة مثلا.. وغير ذلك من صور كثيرة مفقودة من الفيلم الذي كان يمكن أن تعمق من أزمة الشخصية.
يبقى في النهاية أمر لا يتعلق بهذا الفيلم فقط، بل بالغالبية العظمى من أفلام “السينما المستقلة” أو الأفلام المصرية التي تنتج بواسطة الإنتاج المشترك، ونشاهدها في المهرجانات السينمائية الدولية.
هناك سمة عامة تتعلق بهذه الأفلام، غالبا هي مشكلة “تقنية”. فما يجمع بين هذه الأفلام (وفيلمنا هذا من ضمنها بالطبع)، هو شحوب الألوان، وكأن الصورة نزفت ألوانها، وأصبحت شاحبة، باهتة. ولا أرى لهذا علاقة بـ”الأسلوب” السينمائي، فليس من الممكن أن تكون الصورة ذلت الألوان الباهتة اختيارا، بل يمكن التعبير عن الأجواء القاتمة من خلال صور تظهر فيها الألوان بوضوح.
هذا الفقر في الصورة، يمكن أن يرصده كل من يشاهد الأفلام القادمة من الشرق والغرب، في مهرجان دولي كبير، فأفلام العالم تختلف تماما في ألوانها أي في صورتها العامة، عن مثل هذه الأفلام ذات الألوان النازفة، الشاحبة. فهل العيب في الكاميرا، أم في المصور، أم في غياب الإضاءة؟!
لا ندري. وسوف أترك الحديث عنه لخبراء التصوير والصورة السينمائية!
