الوثائقي “رئيس أصم الآن”: النضال ضد التمييز السمعي
بدر العقباني
ماذا يحدث عندما تتحول لقطات قديمة وتسجيلات بالية وصوراً بالأبيض والأسود إلى أدلةٍ على الظلم وأدواتٍ للثورة؟ هذا بالضبط ما يقدمه لنا الفيلم الوثائقي “رئيس أصم الآن” Deaf President Now الصادر عام 2025، حيث لا يكتفي بسرد قصة احتجاج طلابي، بل يُعيد تشكيل الأرشيف السينمائي ليكون صوتاً لمن حُرموا من الصوت.
الفيلم الذي أخرجه كل من نايل دي ماركو (الممثل والناشط الأصم) وديفيس غوغنهايم (الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلم “الحقيقة المزعجة”)، يسردان عبره أحداث الاحتجاجات الطلابية في جامعة جالوديت عام 1988، ويعكسان عبر السرد مع الصور ثورة ثقافية واجتماعية طال انتظارها. الفيلم يُعيد تعريف مفهوم “الإعاقة” من خلال عدسة السينما، حيث يصبح الصمت قوةً والإشاراتُ خطاباً والاحتجاجُ فنّاً.
في مارس 1988، اختارت جامعة جالوديت، الجامعة الوحيدة في العالم المخصصة للصمّ وضعاف السمع، رئيسةً جديدةً قادرةً على السمع وهي إليزابيث زينسر، متجاهلةً مرشحَين أصمَّين. كان القرار صفعةً للطلاب الذين عانوا طويلاً من النظرة الدونيّة للمجتمع السامع، فقرروا أن يقولوا كفى. لا يُقدم لنا الفيلم بطلاً واحداً كما المتعارف عليه، إنما يُعطي المنصة لأربعة طلاب، كلٌ منهم يروي القصة من زاويته وبلغته وبطريقة تُظهر أن النضال من أجل التمثيل الذاتي لا يقل أهمية عن النصر نفسه.
قاد الاحتجاج أربعة طلاب هم بريجيتا بورن-فيرل وجيري كوفيل وغريغ هليبوك وتيم راروس، الذين حوّلوا الحرم الجامعي إلى ساحة معركة سلمية. أغلقوا الأبواب وقطعوا الاتصالات ورفضوا التراجع حتى يتم تعيين رئيس أصم. النضال الذي استمر ثمانية أيام أدى إلى تغيير مصير الجامعة وساهم لاحقاً في صدور قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة (ADA) عام 1990.

يُعيد الفيلم إحياء لقطات نادرة من احتجاجات 1988، ويحولها إلى الشخصية الرئيسية في العرض، نرى أيضاً طُلاباً حانقون يغلقون بوابات الجامعة بالحافلات، لقطات مُهتزة لجين سبيلمان، رئيسة مجلس الأمناء، وهي تُحاول التحدث دون معرفة لغة الإشارة، بينما الطلاب يصفعون الجدران غضباً، مقابلات تلفزيونية قديمة تُظهر كيف كان الإعلام السامع يعجز عن فهم مطالب الصمّ، حتى أن أحد المراسلين يسأل: “كيف يمكنكم الاحتجاج دون أصوات؟” سؤال يُظهر جهلاً عالمياً بإمكانية الثورة بالصمت.
هنا تحديداً، يصبح الأرشيف دليلًا على العنف الرمزي الذي تعرض له الصمّ، حيث يتم استبعادهم حتى من سردية نضالهم. الفيلم يُصحح هذا الظلم عبر جعل الأرشيف جزءاً من الحاضر، لا الماضي. إضافةً إلى ما سبق، الفيلم لا يعتمد على الأرشيف فحسب، بل يدمج مشاهد معاد تمثيلها بطريقة تُشعر المشاهد وكأنه داخل الاحتجاج. أحد أكثر المشاهد قوةً هو حين تتطلق إنذارات الحريق، والطلاب – الذين لا يسمعونها – يواصلون النقاش بلغة الإشارة.
الفيلم يرفض الرواية الأحادية، ويعتمد على أربعة طلاب، كما ذكرنا سابقاً، بريجيتا وجيري وغريغ وتيم، كل منهم مَثَل جانباً مختلفاً من القضية، بريجيتا هي المرأة الوحيدة في المجموعة، التي تُذكر زملاءها بأن النضال ضد التمييز السمعي يجب ألا ينسيهم التمييز الجندري. جيري، الشاب العاطفي الثائر الذي يرفض فكرة أن الصمّ يجب أن يكونوا هادئين ليكسبوا تعاطف السامعين. أيضاً، غريغ الهادئ الذي اضطر لقيادة الحركة رغم عدم إيمانه في البداية بإمكانية الفوز. وأخيراً تيم، الذي كافح مع هويته كأصمّ بعد أن نشأ في عائلة سمعية.
يستخدم الفيلم تقنيات مونتاج ذكية لخلق تعاطف غير مسبوق، ذلك عندما يتم إسكات الصوت في مشاهد محددة، مثل عندما تظهر لقطات لمعلمين سامعين وهم يتحدثون بينما الطلاب الصمّ ينظرون بلا فهم، وتكبير لغة الإشارة حتى تملأ الشاشة، كتذكير بأن هذه الكلمات تحتاج مساحة مساوية للكلام. ومقاطع من أفلام قديمة تُظهر الصمّ كضحايا، ثم يُقاطعها الفيلم بلقطات الاحتجاج.
نايل دي ماركو هو أول أصم يفوز ببرنامجي America’s Next Top Model وDancing with the Stars. كونه خريج جالوديت، جاء الفيلم كإعادة تعريف لهويته ولتاريخ مجتمعه. يقول في إحدى المقابلات: “أردت أن يكون الفيلم من منظور الصمّ، لا أن يكون مجرد تعاطف من السامعين”.
في النهاية Deaf President Now! يثبت أن الأفلام الوثائقية يمكن أن تكون أكثر من مجرد تسجيل للأحداث، يمكنها أن تكون أداة تغيير، ذلك عبر تحويل الأرشيف إلى سلاح، وإعطاء المنصة لأصوات متعددة، واستخدام المونتاج لاختراق حواجز التعاطف، هكذا أصبح هذا الفيلم نموذجاً لكيفية سرد قصص المجتمعات المهمشة دون وصاية.
