القبلات رسائل العشاق الصامتة في “سينما باراديزو”
سمر الفيومي *
القبلة رمز مقدس للحب، استمرت هكذا حتى عندما صورت في السينما لم تفقد عفتها بل بلورت بدورها براءتها وعذوبتها، فدائما كانت القبلة دلالة مرئية شعورية على علاقات الحب في السينما، حيث كانت تستخدم إما للإشارة إلى الحب العذري العفيف، أو كتمهيد لتقارب عاشقين حد الالتحام.
ونادرا ما تجدها في مشاهد العنف أو الاغتصاب، فأظن أن العاهرات يرفضن تبادل القبل، ومبتغي الجسد لا يهتم بهذا النوع من التقارب، وهذا ما تطرق إليه أسامة أنور عكاشة في روايته “منخفض الهند الموسمي” وقد تسرب إلى السينما أيضاً، فخلت تقريبا تلك المشاهد من القبلات وكأن الفن أبى أن تفقد القبلة طهارتها وتدنس في مشاهد تخلو من الحب.
تتجلى شاعرية القبل في العديد من الأفلام أبرزها عندي هو الفيلم الإيطالي “سينما باراديزو” cinema paradiso الذي تم تحليله كثيرا من العديد من الزوايا والرؤى منها ما بلور أهمية الصداقة ومنها ما تحدث عن أهمية الفيلم كقيمة سينمائية، فهو فيلم في حب السينما و أجوائها.
لكنني أنظر للفيلم من منظور مختلف، وأرى له رسالة أخرى لا تقل أهمية عن عشق السينما، ألا وهي رسالة القبلات في السينما وتأثيرها علينا.
سينما براديسو مثل هذه الأفلام التي وجدت لكي نستمتع ونشعر بجمال السينما والحب فهما شيئان مترابطان.
يروي الفيلم قصة “توتو: وهو ولد لا يتعدى العاشرة من عمره، يعيش في مدينة إيطالية صغيرة، يجتمع أهلها كل ليلة في قاعة السينما الوحيدة في البلدة، تدور أغلب احداث الفيلم في تلك القاعة حيث يمارس الناس جميع أنشطتهم، وتقوى الروابط بين جميع فئات المجتمع، ومن هنا يبرز الفيلم دور السينما وأهميتها في حياة الشعوب حتى في حالات الحرب والفقر فهي المتنفس الوحيد لهم.

كان توتو أو سلفاتوري، الذي يمثل الجانب الحالم الرومانسي مساعدا لصديقه ألفريدو الذي يجسد صوت الحكمة والأبوة، ومن هنا تم التطرق لأثر الفيلم لمعنى الصداقة والوفاء وتجلت تلك المعاني في مشاهد عديدة خاصة حينما كاد ألفريدو أن يموت وحيدا داخل قاعة العرض، وكافح توتو بجسده الضئيل ليسحب ألفريدو بعيدا عن النار وأنقذ حياته.
داخل قاعة العرض ولد شغف توتو بالأفلام والسينما، كما ولدت معاني أخرى كالصداقة والحب، فالسينما هي الشراره الأولى لانطلاق قصص الحب والمزيد من المشاعر والأفكار. لكن هناك دائما رقيب يفسد علينا لحظات انسجامنا.
هذا ما جسده الفيلم في دور القس الذي كان يحرص على مشاهدة جميع الافلام الجديدة وبيده جرس يحركه عند أي قبلة أو مشهد تعري ليقوم ألفريدو بقص تلك المشاهد. يجمعها في صندوق كبير على هيئة قصاصات من نيجاتيف الأفلام وكم تمنى توتو هذا الطفل المشاغب الاحتفاظ بتلك القصاصات، لكن ألفريدو رفض ووعده بأنه سيحتفظ بها من أجله.
أكوام من قصاصات القبل حُرم الجمهور من مشاهدتها لوجود رقيب أخلاقي وديني عليهم والتي تبدو سيطرته ظاهرية فقط، فمع قص تلك المشاهد إلا أن قاعة السينما كانت تعج بالممارسات الجنسية فما فائدة المنع سوى الشعور بالسيطرة الوهمية وفرض حضور الكيان الديني على الجمع.
وعندما خرجت السينما بعيدا عن سيطرة عباءة الدين وأصبحت ملكية خاصة وتم السماح بعرض مشاهد القبلات، نشاهد الناس يقومون بالصياح والتهليل وكأنها إشارة على انتصار الحرية أخيراً.

نعود مرة أخرى للقبلة كمعنى، فهي كانت مصدر إلهام الكثير من الشعراء، بداية من الشعر الجاهلي وصولا إلى قصيدة النثر الحديثة.
كانت الأفلام المصرية أو اللبنانية التي أنتجت في سنوات السبعينات، تهتم بمشاهد القُبل، حتى ظهور جيل جديد من الممثلات والممثلين الذين رفعوا شعار “السينما النظيفة” وهي السينما الخالية من القبلات.
قال بعض علماء الاجتماع إن السينما ينبغي أن تساهم في جعل القبلة شيئا طبيعيا ومرغوبا فيه، فهي إشارة للحب و التقارب، وتعبر عن التوقف عن العدوانية. رجل وامرأة يقبلان بعضهما البعض هي رسالة جميلة لا ينبغي أن نقمعها.
هناك نظرية شهيرة تأخذنا للوراء عبر التاريخ، عندما كانوا قديما يبحثون عن الطعام بين الأغصان وكيف كان هذا الأمر شاقا لتمييز الثمرة الجيدة عن غيرها فقاموا بتطوير قدرة متفوقة على تحديد الألوان الحمراء والتي تشير إلى الثمار الناضجة، لذلك كان اللون الأحمر مهماً جدا للبشر في تلك الحقبة، وكان هو أول الألوان التي سميت بعد الأبيض والأسود لأنهما استخدما للتفريق بين الليل والنهار، ولكن ما علاقة تلك الممارسات بالقبلة؟
حينما بدأ الإنسان بتتبع اللون الأحمر بحثا عن الطعام وهو أمر غريزي للبقاء، تتبع اللون الأحمر أيضا في جسد الأنثى بحثاً عن إشباع باقي غرائزه، وهكذا كان اللون الأحمر علامة جذب لتحقيق فعل ممتع آخر بجانب الأكل: ألا وهو الجنس.
ومن هنا ظهر أحمر الشفاه..
كان أول استخدام لأحمر الشفاه يرجع لآلاف السنين، وكانوا يستخدمون الأصباغ وبعض الأنواع القوية من النبيذ لتلوين الشفاه. وخلال تلك السنوات، كانت القبلة هي الفعل الذى يستحيل منعه أو تحريمه، مهما بلغت السخرية منها ووصفها بالفعل المقزز ومهما حاول الأباطرة والباباوات بشكل متكرر معاقبة من يمارسون التقبيل بوضع المبررات الأخلاقية والصحية لمنعه، ورغم هذا لم يستطع حتى أقوى رجال العالم السيطرة على الشفاه وقمعها.
وهذا ما أكد عليه فيلمنا “سينما باراديزو” عندما وفى ألفريدو بوعده في مشهد ختامي عظيم يقوم بشحن جميع عواطفك التي حاولت السيطرة عليها طوال اكثر من ساعتين ونصف وهي مدة عرض الفيلم لتتفجر دموع الحزن والفرحة والحنين في هذا المشهد.
قبل وفاة ألفريدو كان قد قام بجمع جميع قصاصات القبلات في فيلم طويل يعرض جميع القبلات بشكل متصل، تعرض المشاهد واحد تلو الآخر مصاحبة بدموع سلفاتوري حنينا وشجنا، وكأنها رسالة من الفريدو يخبره فيها أن كل ما فاته يمكن التعويض عنه دائما.
فعندما دفعه ألفريدو لترك البلدة الصغيرة وكان سببا قويا في التفريق بين سلفاتوري وحبيبته مما جعله ينطلق في الحياة محققا شغفه ليصبح مخرجا سينمائيا شهيرا، كانت وجهة نظره أن الحياة ليست كما هي في الأفلام بل أكثر صعوبة، وفي القصة التي حكاها لتوتو مغزى يؤكد على حسن نواياه.

تلك الأميرة التي طلبت من الجندي أن يجلس أسفل شرفتها مائة يوم مهما كانت حالة الجو والعواصف فانتظرها الجندي 99 يوما وفي نهاية اليوم الـ 99 رحل حتى يعيش بالأمل ما تبقى من عمره، وهو المعنى الذي لم يفهمه سلفاتوري وهو صغير، فهذا اليوم – الفارق هو ما حافظ على حبه لها في داخله، خوفا من أن يضيع انتظاره سدى ولا تأتي أميرته.
دعونا نتخيل لو أن ألفريدو أوصل رسالة الحبيبة لسلفاتوري وانتظرها وتزوجا بالفعل وأصبح سلفاتوري رجلا عاديا مهمشا بدلاً من المخرج العظيم الذي أصبح عليه الآن؟! هل تظنون أن تلك الحياة كانت ستناسبه؟ تخليه عن حلمه وانغماسه في الحياة الروتينية والتي قد تحول الحب بينه وبين حبيبته الي جحيم؟
إذن ألفريدو حافظ على ذكرى الحب السعيدة في قلب توتو ليصبح ذلك السلفاتوري الناجح. لذلك كان من الأرجح ألا يودع سلفاتوري حبيبته تطبيقا لنصيحة محمد عبد الوهاب في أغنيته “بلاش تبوسني فى عينيا دي البوسة في العين تفرق.. يمكن في يوم ترجع ليا والقلب حلمه يتحقق”.
هكذا فالعيش على حلم اللقاء أفضل…
مشاهد سلفاتوري الحميمية في الفيلم تعد مثالا لأهمية القبلات له ورؤيته الخاصة لها كفعل طاهر، فمشهده الوحيد مع بائعة الهوى في السينما كان مشهدا جنسيا بحتا، أما جميع المشاهد التي جمعت بينه وبين حبيبته فكانت عبارة عن قبلات فقط وهذا يؤكد على أهمية القبلة بالنسبة له وأنها التجسيد الملموس للحب.
الفيلم يلعب على أوتار الحنين إلى الذكريات والتي قد نعيش عمرنا بأكمله نهرب منها ولكنها دائما موجودة. أثرها باق بداخلنا كمذاق القبلة على أفواهنا، فالقبلة تظل هي الذكرى للقرب والتلامس، ومذاقها هو الدليل الملموس على أننا امتلكنا حبيبا يوما ما.
* باحثة في أكاديمية الفنون وكاتبة روائية
