الفيلم التونسي “بيت الحس” في مهرجان برلين

لاشك أن فيلم “بيت الحس” À voix basse – للمخرجة التونسية ليلى بوزيد- الذي يشارك في مسابقة الدورة 76 من مهرجان برلين السينمائي، سيلقى حفاوة من جانب نقاد فرنسا وسائر النقاد الذين يكتبون لمجلات ومواقع السينما الغربية، فهو مصنوع طبقا لـ”مواصفات” مسبقة، تلبي ما هو منتظر من طرف مخرجة سينمائية (امرأة)، عربية، تنتمي لمجتمع إسلامي متزمت أخلاقيا، يمارس التظاهر بالطهارة والعفة والتمسك بالقيم الأخلاقية، ولكن في السر، يتحرر أو يتحلل من القيود المصطنعة التي يفرضها الدين أو النظام القانوني تفرضه سلطة “ذكورية”.

“هذه التركيبة” يُقصد منها أولا وأخيرا، ضمان “التمويل” الأوروبي، والفرنسي بوجه خاص في حالة الأفلام التونسية، بحكم “التبعية” اللغوية والثقافية “الطوعية” التي تبرز بوضوح في هذا الفيلم، حيث تحل اللغة الفرنسية محل اللغة العربية في ما يقرب من 90 في المائة من مشاهده، في تراجع مخيف عما قطعته السينما التونسية الجديدة في التسعينيات الماضية.  

كانت هذه الوفية، أو “التركيبة” نفسها، واضحة أيضا، في فيلم ليلى بوزيد الأول “على حلة عيني” (2015)، الذي كان يدور حول فتاة تونسية شابة، تنتمي لأسرة محافظة، متمردة، تحاول الخروج على التقاليد المتزمتة، وتبحث عن التحقق من خلال الغناء، تغشى الحانات الليلية، تعاقر الخمر، تختلط بالرجال، تقيم علاقة جسدية كاملة مع شاب تحبه، تكذب على أمها باستمرار لتبرير تأخرها خارج المنزل، تغني أغاني “الروك” التونسية في الحانات والمقاهي لمجموعة من السكارى ومدمني المخدرات من الشباب، ثم تعتقل لاتهامها بغناء أغاني “تحريضية” رغم أنها ليست كذلك!

في “بيت الحس” (الذي كان الأفضل بل والأصح أن يسمى “بيت الأسرار”) تعود “ليليا” من فرنسا حيث تعمل هناك مهندسة، إلى موطنها الأصلي في مدينة سوسة الساحلية الجميلة في تونس، بعد وفاة خالها “دالي” برفقة حبيبتها الفرنسية “أليس” (ماريون باربو)، التي تستأجر لها غرفة في فندق قريب، ثم تظهر فجأة -من دون سابق إنذار- في العزاء وتلتقي بأمها “وحيدة” (هيام عباس)، وجدتها المتزمتة (سلمى بكار) وخالتها المنفتحة “حياة” (فريال شماري)، بل وعشرات الأقارب والأصدقاء الذين يتوافدون على العزاء، ومن بينهم رجل ترفض الجدة وجوده وتطرده، ثم يأتي ضابطا شرطة يحققان في وفاة “دالي” الذي سنعرف أن جثته وجدت عارية في الشارع، لنعرف أنه كان مثلي الجنس، كما أن ليليا نفسها مثلية الجنس، تعيش مع حبيبتها “أليس” في باريس لكنها تقدمها الآن لأسرتها باعتبارها رفيقة السكن.

سيصبح الفيلم منذ لحظة ظهور أليس وسط الأسرة، عبارة عن تحقيق ساذج تماما في موقت الخال، تحقيق تقوم به ليليا، من أجل الكشف الساذج والمصطنع عن العداء القائم في تونس قانونيا وأخلاقيا واجتماعيا ودينيا، تجاه مجتمع مثلي الجنس، ودفاع حار عن حق الفتيات والرجال في العشق المثلي، وإدانة السلطة الذكورية القمعية، وكشف النفاق العائلي الذي يتجلى في معرفة الحقيقة، مع التغاضي عن مواجهة الأمر الواقع، والاعتراف بوجود المثلية كأمر “طبيعي” في المجتمع.
هناك ازدحام كبير في الشخصيات في الجزء الأول من الفيلم، لدرجة أنه عندما تقرأ الجدة النعي المنشور للفقيد في صحيفة “باللغة الفرنسية طبعا!”، وتأخذ في سرد عشرات الأسماء والألقاب العائلية، يبدو المشهد وكأنه يسخر من كثرة هؤلاء وخصوصا أنها تشكو من رداءة كتابة النعي أصلا الذي سيتضح أن من كتبه هو “لطفي” وهو خال آخر على ما يبدو، ورجل أعمال ذو شأن كان نائبا في البرلمان سيكون له دور فيما بعد.

ونحتار نحن المشاهدون من ذلك الإصرار على تصوير جميع تلك النماذج بالتفصيل بحيث يرتج الأمر علينا ولا نفهم في البداية بعض هذه العلاقات، قبل أن يتحدد الفيلم أكثر، ويتركز في شخصية “ليليا” التي نرى أنها تشعر بالتقارب أكثر مع خالتها “حياة” التي تتفهم حقيقة ميولها الجنسية، لكنّها تخشى كثيرا من رد فعل جدّتها المتزمتة (تقوم بالدور المخرجة التونسية القديمة “سلمى بكار”) كما تخشى من استقبال والدتها “وحيدة” لحقيقة ميولها.

في الفيلم كما يمكن أن نتوقع، مشاهد حب حي مثلية “ساخنة” تدور في الفراش، بين ليليا وأليس، ثم اختلاق مشاجرات مفتعلة بين الاثنتين لا نعرف لها هدفا، ثم عودة إلى الحميمية المفرطة، وكذلك تداعيات سريعة من طفولة “ليليا” لا تشيف شيئا، ثم يتجه الفيلم في ثلثه الأخير، لكي يصبح أقرب إلى أفلام التحقيق، ولكن من دون الكشف عن شيء يمكن أن يجعله أكثر إثارة للاهتمام، لينتهي بنوع من “الانفجار” من جانب ليليا في وجه ضابط الشرطة، عندما تعترف في حضور أمها وخالها “لطفي” بأنها “مثلية” وتطالب ضابط الشرطة باعتقالها طالما أن هذا هو “القانون” المطبق في تونس، أي قانون حظر “المثلية الجنسية”.  

يستغرق وجود ليليا في تونس ستة أيام، مع العائلة، وفي خضم محاولتها العثور على حقيقة ما حدث لخالها المتوفي، وحقيقة علاقاته الجنسية المثلية القديمة ومنها علاقته بالرجل الذي رفضت جدتها وجوده في العزاء، من دون أن يحقق أي منهما السعادة. ولكنها لابد أن تعود في النهاية إلى باريس، حيث تتمتع هناك بالحرية الجنسية، والأهم بالطبع، وجودها في مجتمع لا يجرم المثلية ولا يزدري المثليات. وهي رسالة مستترة في الفيلم الذي يكشف عمق أزمة الهوية، سواء عند بطلته، أو عند مخرجته نفسها على السواء، فهي لا تعرف كيف تصنع فيلما “تونسيا” كاملا يتخلص من تأكيد وترسيخ والانتصار مجددا لـ”عقدة” ازدواجية “اللغة” في حين أن اللغة هي أساس “الهوية”!

ليلى بوزيد

وهنا يصبح أي حديث عن جمال الصورة وبراعة المصور الفرنسي، خصوصا في خلق وتشكيل صور التناغم اللوني التجريدية للجنس المثلي التي تجمع بين المرأتين، ومع الإفراط في التركيز من خلال اللقطات القريبة على وجه الممثلة “إيا بوطيراع” Eya Bouteraa (إن كان هذا اسمها الصحيح بالطبع!!) وتميز الموسيقى التي كتبها الموسيقار الفرنسي، وانسيابية المونتاج في الانتقال بين المشاهد، الذي قام به المونتير الفرنسي، يصبح الحديث عن هذا كله، من تحصيل الحاصل في السينما “الأوروبية” الحديثة!

هيام عباس

من ناحية الأداء أود فقط القول إنني لم أجد ضرورة ما، لإسناد دور الأم إلى الممثلة الفلسطينية، هيام عباس، سوى أن يكون هذا أحد شروط الإنتاج المشترك، أي الاستعانة بـ”نجمة” في فرنسا والعالم العربي. فهي لم تقدم شيئا متميزا، بل ولم تستطع حتى إجادة اللهجة التونسية في المشاهد المحدودة التي نطقت فيها بالعربية، بينما كان معظم حوارها باللغة الفرنسية. كما جعلت بوزيد الجدة التي يفترض أنها تنتمي لبيئة “شعبية” تونسية بسيطة، تتحدث طول الوقت، الفرنسية بطلاقة مفتعلة كما لو أنها أرادت أن تجاري حفيدتها القادمة من فرنسا!

من الممكن جدا أن يحصل هذا الفيلم على عشرات الجوائز من المهرجانات الأوروبية، تماما كما حصل “على حلة عيني” رغم كونه عملا ضعيفا مرتبكا وساذجا للغاية، فشل في معالجة موضوعه الأساسي الذي كان يفترض أنه يدور عن “إرهاصات” ثورة الباسمين في 2011، لكن هذا كله منتظر باستمرار ومتوقع من جانب الهيمنة “الأبوية” الأوروبية على السينما العربية. وهو موضوع آخر!

Visited 1 times, 1 visit(s) today