سينما لا تكذب: أفلام من عصرنا
أمير العمري
السينما التي لا تكذب هي السينما التي تواجه الواقع بشجاعة، ووضوح رؤية، لا تضلل ولا تجمل، ولا تضفي على الواقع جمالا زائفا، توجه النقد ولكن من خلال أساليب الإبداع المختلفة، فالفيلم هو أساسا، عمل فني، مصاغ في سياق للسرد، لا يشبه السرد الأدبي، ولا المسرحي، فهو لا يعتمد على الكلمة أو على الحوار. نعم السينما صوت وصورة، وليس من الصحيح القول- كما يحدث كثيرا- إن السنيما هي فن الصورة، بل هي فن الصوت والصورة. ولكنها لا تشبه غيرها من الفنون، بفضل عناصرها الخاصة التي تميزها عن غيرها من الفنون، وأهمها على الإطلاق، التصوير والمونتاج. أي تصوير حركة الشخصيات في المكان، وطبيعة الأماكن ومغزاها وما يمكنها أن تلعبه في الدراما، وصياغة وتشكيل تطور الأحداث ومرور الزمن. فالسينما هي أيضا فن التلاعب بالزمن.
لم يعد الفيلم السينمائي مجرد أداة للتسلية السطحية العابرة، يمكنك أن تتسلى بمشاهدته ثم تنساه بعد أن تغادر قاعة العرض السينمائي، أو بعد أن تنتهي مشاهدته على الشاشة الصغيرة. إنه أكثر تعقيدا من هذا، فهو يتسع لتناول الأفكار السياسية والفلسفية والإنسانية عموما، ولكن الفيلم الجيد، لا يفقد القدرة على تحقيق “متعة المشاهدة”، وهذه المتعة لا تنتج فقط عن الصور وتعاقب الصور في سياق فني، بل وأيضا من خلال ما يكمن من “أفكار” تحت جلد الصور، مع ما يغلفها من موسيقى وأصوات ومؤثرات.
وتكمن “جرأة” الفيلم في قدرته على تجاوز ما قبله، فكلما تصور المرء أن السينما قدمت كل ما لديها ولم تعد تملك المزيد، كما كان يعتقد الناقد والمخرج الأمريكي الراحل بيتر بوجدانوفيتش عندما قال “إن كل الأفلام العظيمة في تاريخ السينما صنعت وانقضى الأمر”، كلما فاجأتنا السينما بالعكس، أي كلما تصور المرء أنه لن يشاهد أفضل مما شاهد من قبل، وأن الكلاسيكيات العظيمة التي نقلت السينما من مجال التسلية إلى مجال الفنون الرفيعة، قدمت لنا كل شيء، وأنا ما جاء بعدها، ليس سوى تنويعات على نغمات قديمة مكررة، قدمت السينما ما يدهشنا ويجعلنا على قناعة بأن هذا الفن ظهر لكي يتطور، وأن تطوره الذي كان من البداية مرتبطا بالتطور العلمي والتكنولوجي للتقنية وأدوات الصناعة، مازال في طور التطور المستمر، وكل يوم يكشف عن إبداعات سينمائية جديدة، تضيف وتثري وتدفع للتأمل، خصوصا وأن الحياة الإنسانية نفسها، باتت أكثر تعقيدا، ولاشك أن تعقيدات الحياة، تنعكس على الفنون وأشكال الإبداع والتعبير، ومن ضمنها السينماـ كاقوى ما يكون.
وليس من الممكن رصد تطور السينما سوى من خلال تقييم الجديد من الأفلام، والتوقف أمام اتجاهات مخرجيها وتنوع وتجدد أساليبهم وما يبتكرونه من طرق وأساليب جديدة في معالجة مواضيع أفلامهم، بل إن هذه المواضيع نفسها لم تعد محصورة أو قاصرة على الأفكار الدرامية الثابتة التي حددها أرسطو من قرون، بل تطورت هي بدورها واستحدثت مواضيع أخرى، من واقع ما يحدث في حياتنا والحياة البشرية في العالم الذي أصبح أكثر قربا من بعضه البعض بفضل ثورة تكنولوجيا الاتصالات الجديدة.
في هذا الكتاب اخترت أن أتوقف أمام 33 فيلما روائيا طويلا من بلدان وخلفيات ثقافية مختلفة، لمخرجين تتباين أساليبهم السينمائية وتتقاطع، تتقارب أو تتباعد، تنشد التعبير عن الأفكار والقضايا الفكرية التي تشغل صناعها وتشغلنا جميعا، سواء جنحت نحو أفكار جديدة، خلقها التطور البشري نفسه، أو أفكار لم يكن مسموحا بها من قبل، ليس بالضرورة من قبل أجهزة الرقابة، بل بفعل القيود الأخلاقية والنفسية التي يفرضها المجتمع نفسه على أشكال التعبير في مرحلة معينة من مراحل تطوره، ولكن الكثير مما كان محجوبا في الماضي لم يعد كذلك اليوم. فقد نضج المتفرج، ونضج المجتمع كله أيضا.
القاسم المشترك بين الأفلام التي يضمنها هذا الكتاب رغم تنوعها الكبير، هو الجرأة في التناول، في الاقتراب من “المسكوت عنه”، في تناول السياسي والاجتماعي والنفسي، في جرأة ووضوح رؤية، مع البحث عن أساليب جديدة في المعالجة. ومن هذه الأفلام، ومعظمها أفلام حديثة، ما حاز الكثير من الثناء والتقدير النقدي والاحتفاء بها في المهرجانات السينمائية، ولكن منها أيضا ما ظل مجهولا عند القاريء العربي تحديدا، وهو ما نتوجه إليه في هذا الكتاب.
في النهاية، أرجو أن يصل هذا الكتاب إلى عشاق السينما عموما، ودارسي السينما والنقد في المعاهد الفنية في بلادنا، فمن الأفضل كثيرا، ممارسة النقد التطبيقي على أفلام معينة، واختبار منهج التعامل مع الفيلم، من الاكتفاء بالحديث النظري عن النقد ودور ووظيفة النقد، وكيف نمارس النقد.. إلخ. ومن دون أن يكون في الأمر مبالغة، سيجد القاريء خلال فصول هذا الكتاب، الكثير من الأفكار النظرية أيضا عن السينما وأهميتها ودورها.
أخيرا، أرجو أن يحقق الكتاب للقاريء المهتم نوعا من “المتعة” الذهنية، التي من دونها لا يوجد في رأيي، مبرر لوجود الفيلم أو نقد الفيلم.
