الحضور النسائي في “فلسطين 36” تناغم مع الثورة
نهى غنام
تنخرط خلود عاطف في صفوف المحتجين على تقرير لجنة بيل الذي يعتبر أول وثيقة رسمية تقر بإقامة دولة يهودية في فلسطين عام 1937، وسط تصاعد الثورة الكبرى في جميع أنحاء فلسطين رفضاً لتزايد عنف الاحتلال الانجليزي ضد المدنيين ولتمدد الكوبانيات (المستوطنات اليهودية) ونهشها لأراضي الريف الفلسطيني، تنضم خلود للثورة المدنية العارمة بعد أن خلعت خاتم زواجها ووضعته بيد شريكها أمير الذي اكتشفت تورطه بدعم اللجنة الصهيونية وتلقيه أموالاً منها.
باعتبارها واحدة من أهم الشخصيات التي ظهرت في الفيلم الدرامي التاريخي “فلسطين 36” انتاج 2025 تأليف واخراج آن ماري جاسر وبطولة كريم داوود، ياسمين المصري، صالح بكري، يافا بكري، كامل الباشا، هيام عباس، ظافر عابدين، جيرمي آيرونز وغيرهم، والمرشح لجائزة الاوسكار في دورتها الـ 98، استطاعت خلود أن تعكس الدور المحوري الذي قامت به المرأة الفلسطينية في تلك المرحلة التاريخية المهمة، بالاضافة الى مجموعة من الشخصيات النسائية الاخرى، اللاتي تعدى دورهن الدعم والمساندة اللوجستية من خلال جمع التبرعات واسعاف الثوار، الى الانخراط الفعلي في العمل السياسي والعسكري آنذاك.
خلود.. صحفية الثورة
تكتب الصحفية خلود عاطف (تؤديها ياسمين المصري) مقالات للرأي العام مناهضة للإستعمار الانجليزي واللجنة الصهيونية باسم مستعار “أحمد الكنعاني”، رغم أنها تنتمي لطبقة ارستقراطية قريبة من النمط الأوروبي، متحررة فكرياً وتحظى بحياة اجتماعية صاخبة بصحبة زوج محب وداعم، وشبكة واسعة من العلاقات مع موظفي الانتداب الانجليز، معتمدة على دراستها في جامعة اكسفورد وطلاقتها في التخاطب باللغة الانجليزية، ولا تكتفي بدورها هذا، بل تقود المظاهرات النسائية دفاعاً عن الفلاحين والثوار وتصر على مقابلة المندوب السامي لنقل هموم الناس إليه، الذي يعترف بدهشته من قوة تأثير النساء في المجتمع الفلسطيني وقتها.

تنصدم خلود من دعم زوجها لكاتب مساند للفكر الصهيوني وتغلغل اليهود الوافدين في الدولة، وتحتد النقاشات المتضادة بينهما، ويقودها الفضول الى التفتيش في مراسلاته، لتكتشف أنه يتلقى الدعم من الحركة الصهيونية ويسرب العقارات الفلسطينية لهم، فتختار الانفصال عنه بكل هدوء، وتنضم لصفوف شعبها الذي قرر الثورة على مخططات الاحتلال التي بدت أوضح من أي وقت كان.
رباب.. صمود الثورة
تظهر رباب /أم عفرا (تؤديها يافا البكري) بعدة صور في الفيلم؛ فهي زوجة الشهيد التي تربي ابنتها وتعيل والديها وتؤدي صلاتها في وقتها، تعمل في حصاد القمح وتبيع محصولها من زراعة الارض في سوق المدينة، ولا تخلو شخصيتها من الطرافة والحدة، فيما تراقب مع ابنتها تمدد الكوبانية على حساب أراضي قريتها البسمة، وتزايد أعداد المستوطنين الذين بدأوا بالاعتداء على سكان القرية، وايذاء أهلها، فتتعرض للتضييق والقمع من الانجليز، ثم تشتبك مع قواتهم عند اقتحامهم لمنزلها والاعتداء بالضرب على والديها، وتزغرد عند ارتقاء الشهيد، وبمجرد ظهور الثوار المسلحين لا تدخر جهداً في مساندتهم، فتسعف الجرحى وتنقل لهم الطعام وتخفي أسلحتهم عند تعرضهم للإعتقال.

وبتصاعد الهجمات على منازل القرية تجد رباب نفسها في مواجهة حتمية مع قوات الاحتلال الذي لم يتواني عن تفجير والديها اللذين اختارا الصمود في منزلهما رغم تدميره بالديناميت، وبلغت قمة معاناتها عندما قررت ابعاد ابنتها عفرا عن المكان مطالبة اياها بالهروب فوراً قبل ان تفشل بإقناع والديها من اخلاء البيت ليقضيا شهداء وتخسر كل ما لديها في الحياة.
أما عن سطر الصمود الأخير الذي كتبته في صفحات الثورة، فهو اصرارها على البقاء في قريتها المدمرة المهجرة، على أمل أن تعود ابنتها وتجدها في المكان، رافضة النزوح رغم ما ارتكبه الاحتلال من فظائع.
عفرا.. طفلة الثورة
تصل عفرا (تؤديها وردة عيلبوني) الى القدس منهكة، حافية القدمين، شعثاء الشعر، تتكيء على جدران المدينة القديمة بأسى فيما تتردد أصوات الثائرين في الأجواء، تتوه الطفلة عن مأمنها؛ فقد أبعدتها والدتها عن القرية عند هجوم الانجليز وتفجير منزلهم، ومشت لأيام خوفاً من الموت.

كانت عفرا مجرد طفلة يتيمة الأب تلهو في كل مناسبة مع والدتها واصدقائها في القرية، تعتني بشعرها الطويل المضفور، وتهوى جمع الطوابع البريدية التي يحضرها ابن الجيران من المدينة، فيما تؤلف القصص الخيالية وتحكيها لصديقها المسيحي كريم، دائمة الفضول، وتتساءل: “لماذا لا ترتدي اليهوديات اللاتي يعملن في الكوبانية السراويل؟”.
نضجت الطفلة بمجرد تعرضها لمضايقات الاحتلال المتصاعدة، ووجدت نفسها تدافع بشراسة عن والدتها وجديها، فيما أخذ المستوطنون الجدد بالسيطرة على أماكن لعبها وذكرياتها، وبقدوم الثوار الى المنطقة ساعدت والدتها في توصيل الغذاء لهم، ولم ترغب بالانفصال عن أمها التي اجبرتها على ذلك خوفاً على حياتها.
تبدو نهاية عفرا مفتوحة على العديد من الخيارات، وكأن مجرد ابقاءها على قيد الحياة نهاية سعيدة، توحي بالمستقبل أو الامل بالعودة المرتبطة ببقاء أمها في القرية بانتظارها، وهذا بحد ذاته دعم لجدوى الثورة في تلك الحقبة المهمة.
حنان.. فداء الثورة
لم تكن حنان أم رباب (تؤديها هيام عباس) قبل أن تستشهد مع زوجها، متمسكين ببيتهما الذي فجره الانجليز بالديناميت، رغم توسل ابنتهما للمغادرة، لم تكن سوى امرأة عادية، حنونة وحكيمة بلهجتها الريفية المشبعة، تسرح شعر حفيدتها بتهكم، وتمازح زوجها ببهجة طفلة، وتساند جيرانها في السراء والضراء، قبل أن يعتدي الاحتلال على بيتها بلا وجه حق، فتضطر للاشتباك معه ومقاومته بشراسة.
تحمل السيدة حنان هم ابنتها الوحيدة بقلق، وتوصي حفيدتها بالعودة الى الجذور دائماً، وتظهر شجاعتها حين تعلم عفرا على استخدام السلاح، قائلة لها بأن الوطن هو المكان الذي يدفن فيه الأهل “ارضچ وين مدافن أهلچ”.

أما ذروة الشجاعة لديها فتظهر حين تختار الصمود مع زوجها في منزلهما المحاصر بالجيش والديناميت، فيفجرهما الاحتلال سوياً ليذهبا فداءً للوطن دون أن يتركا منزلهما.
لقد عاشت الشخصيات النسائية في “فلسطين 36” بمختلف انتماءاتها الاجتماعية والمادية والمعنوية والفكرية مخاض الثورة العسير، ونسجت من مواقفها المرتبطة بالمكانة التي وضعتها الظروف بها، ثوباً زاهياً مسانداً للمقاومة التي أطلقها الرجال في الجبال، ولم تتوانى في تسخير قدراتها الفكرية والثقافية في الدفاع عن وطنها بدبلوماسية، وبصرف النظر عن بعض الوقائع التي تستحق النقد في الفيلم، فقد كونت سرديته وشخصياته بناءً موضوعياً متطابقاً مع الرواية التاريخية حول تلك الحقبة.
