GMT آخر تحديث: الخميس 20 يوليو 2017 22:21:00  -   GMT الجمعة 21 يوليو 2017 02:27:02 
banner عين على السينما Eye on Cinema
 
 
أحدث الأخبار
مليون دولار لدعم المهرجانات السينمائية في المغرب
تكريم روبرت ريدفورد وجين فوندا في مهرجان فينيسيا
وفاة جورج روميرو مبتكر أفلام الزومبي عن 77 عاما
"التصغير" فيلم الافتتاح في مهرجان فينيسيا السينمائي
 
الأكثر قراءة
نهاية تيرانس ماليك: تداعيات من وحي فيلمه الجديد
حول فساد مؤسسات الإنتاج السينمائي في الجزائر
قراءة تأويلية وجمالية في فيلم"المرآه" لآندرية تاركوفسي
"عين على السينما": 6 سنوات من العطاء
 
كتب سينمائية للاطلاع والتحميل
كتب سينمائية للاطلاع والتحميل
 
فيديو اليوم
 
صور اليوم
 
 
إستفتاء
 
 
ورشة سينما الشباب
 
 


رؤية ناقدة يمنية لفيلم "صيد السلمون في اليمن"!


الخميس 04 أكتوبر 2012 11:38:00


رؤية ناقدة يمنية لفيلم "صيد السلمون في اليمن"!

 

 

 

 

الاستعمار وأذنابه

 

 

بقلم: هند هيثم

 

 


شاهدتُ فيلم “صيد السلمُن في اليمن” (2011) مُنذ عدة أشهر، ولم أشعر برغبةٍ في الكتابة عنه في حينها. في الواقع، شاهدتُ الفيلم، وشاهدتُ بعده بفترة بسيطة فيلم "فندق ماريغولد بِست إكزوتِك" (2011)، فنتج عن ذلك عزوفٌ طويل عن ارتياد قاعة السينما ومُشاهدة الأفلام، حتى شاهدتُ فيلم “شُجاعة” (2012).

 

ليست المُشكلة أن الفيليمن سيئان، بل أنهما ما يُطلق عليه بالإنكليزية mediocre، أي في البين بين، لا سيء فيُذَم، ولا جيد فيُحمَد. ثم اجتمع وعدٌ لبعض الأصدقاء بالكتابة عن الفيلم، مع واقعة اختياره مؤخراً لافتتاح أحد المهرجانات في مِصر، ولعله مهرجانٌ مُخصص للسينما الأوروبية. أسبابُ اختيارِ الفيلم بسيطة ومفهومة: عمرو واكد، ممثلٌ مصري، يؤدي دوراً في الفيلم. مع أن دور واكِد في الفيلم يقع في البين بين أيضاً، لا رئيسي ولا هامشي، لا جيد ولا سيء، غير أنّه أفضل بكثير من الأدوار على شاكلة أدوار "إرهابي رقم 4" التي تُعطى للمُمثلين العرب في السينما العالمية.

الفيلم والرواية
انتظرتُ هذا الفيلم بفارغ الصبر ما إن سمعتُ أنهم شرعوا في صُنعه، لأسبابٍ واضحة - بطبيعة الحال. كُنتُ، كذلك، قد قرأتُ الرواية الأصلية التي كتبها بول توردي وتحمل الاسم نفسه بترجمة المترجم اليمني عبد الوهاب المقالح، وفاجأني اختيار سيمون بوفوي تحويل الفيلم إلى كوميديا، بينما الرواية الأصلية هجاء سياسي مُر ومأساوي.

 

بوفوي سينارِست بارع في التعامل مع الروايات المُعقدة، يستطيع تحويلها إلى حكايات سينمائية مفهومة وبسيطة - من دون أن تكون ساذجة - كما فعل في "المليونير المتشرد" (2008)، المأخوذ عن رواية لفيكاس سوارب عنوانها "أسئلة وأجوبة"، ولم تكُن لتصلح أبداً للعرض السينمائي، لولا قرارات بوفوي الجريئة بخصوص الشخصيات والأحداث. في "صيد السلمُن في اليمن"، يتخذ بوفوي قراراتٍ جريئة في السيناريو، رغم أن الفيلم الناتج فيلم ضئيل مبنى ومعنى.

 

 أول قراراته كان تحويل الفيلم إلى كوميديا، رغم الأصل الجاد والهجائي للرواية. وثاني هذه القرارات كان تحويل شخصية باترِك مكسويل، المسؤول الإعلامي لرئيس الوزراء البريطاني، وشرير الرواية - نوعاً ما - إلى باتريشيا مكسويل (كريستين سكُت توماس، أحسن ما في الفيلم). تلا ذلك عددٌ هائل من التصرفات، ومن ذلك تغيير علاقة البطلة “هارييت” (إميلي بلنت) بصديقها، وتغيير النهاية، وتغيير العلاقات بين الشيخ اليمني (عمرو واكِد) وأعدائه مِن بني جلدته، مِن صراعٍ على السُلطة، إلى صراعٍ بين الحداثة والمدنية والتنوير (الشيخ) والقاعدة (مناوؤوه).

عجائز الخمارة
لم أشاهِد الفيلم في سينما ريف المُعتادة، وإنما في سينما أخرى بُنيت بوصفها جزءاً من مُجمع ثقافي يقع في المقبرة الصناعية على ضفة نهر ليهاي، حيث أنقاض مصانع الصلب والفولاذ التي أعطت بيت لحم سُمعتها التاريخية، ووضعتها على الخريطة، إلى أن حولت العولمة مصانع الصلب والفولاذ إلى خلفية للحفلات الموسيقية التي يعقدها هذا المُجمَع الثقافي، تجوس فيها أرواح العُمال الذين قضوا بأبشع الطُرق مُحدقة بدهشة في متأنقي المدينة الذين يحتفلون في المقبرة الصناعية.

 

 دار السينما تُسمى “سينما خمارة فرانك بانكو”، لأنها بُنيَت في مكان الخمارة التاريخية، وتعرض في مُعظم الأحيان أفلاماً لا تعرضها سينما ريف - التي لا تعرض إلا الأفلام المضمون ربحها، لكنها - في مُناسبات نادرة - تعرض أفلاماً بالتوازي مع سينما ريف، كما حدث مع “تِنكر، تايلر، سولجر، سباي” (2011)، وكما يحدث مع “المعلم” (2012).


وادي ليهاي واحدٌ من آخر معاقل (حُمران الرقاب) rednecksالشماليين في الولايات المُتحدة الأمريكية. (حُمران الرقاب جنوبيون عادة، غير أن المُصطلح يعني - في العموم - البيض المُرتبطين بأعمال الفلاحة والتصنيع، من الطبقة الوسطى - غالباً - الذين يعتبرون أنفسهم المُمثلين الحقيقيين الوحيدين للقيم الأمريكية، وللسيد المسيح). (حُمران الرقاب) جمهور سينما ريف المُعتاد، و(حُمران الرقاب المثقفون)* جمهور سينما خمارة فرانك بانكو، ومُشاهدة الأفلام معهم عذاب، رغم أن صالتي سينما خمارة فرانك بانكو أنيقتان جداً، وشاشتاهما نقيتان، وفيهما شاهدتُ اثنين من أجمل الأفلام: “تنكر، تايلر، سولجر، سباي” (2011)، و”ينبغي أن نتحدث عن كيفن” (2011).

 

كُنت الشخص الوحيد في صالة العرض الواسعة يوم عرض "تِنكر، تايلُر، سولجر، سباي"، وكان معي ثمانية آخرون فحسب يوم عرض "ينبغي أن نتحدّث عن كيفن"، أمّا يوم عرض "منهج خطير" (2011)، فقد امتلأت القاعة بالجمهور الذي كان يقهقه من فرط السعادة طوال الفيلم، حتى أنني أعتقد أن ديفيد كروننبرغ كان ليُصاب باكتئاب حادٍ لو شاهد الفيلم مع حُمران الرِقاب المثقفين الذين يُشاهدون فيلماً عن الصراع الفرويدي-اليونغي ليضحكوا على الرزايا التي تُصيب الأطباء النفسيين اليهود.


كذلك، كانت القاعة ممتلئة عن آخرها يوم عرض "صيد السَلمُن في اليمن". ممتلئة بالعجائز، بطبيعة الحال، العجائز المثقفين، طبعاً، بابتساماتهم المُتعالية، وطريقتهم البغيضة في الحديث إلى أي شخصٍ دون الأربعين وكأنّه يُعاني من إعاقة عقلية، أو كأنّه جاء إلى قاعة السينما ليُشاهد فيلماً (رفيع المستوى) بالخطأ.

 

مُشكلة هؤلاء العجائز المُثقفين أنهم فاعلو خيرٍ مُحبون للبشرية، لذلك يُحبون أن يأكلوا أذني الشباب الغر بآرائهم في الأفلام والشؤون الجارية، ويحبون أن يدلوا الشباب على الأفلام الجيدة، وما ينبغي أن يُحِب وأن يكره. وينبغي أن يبتسم الشباب لهم، ويرد دائماً: "يِس سِر"Yes Sir، "يِس مام" Yes Madam، وكأنه مُجند في الجيش. مُحاولاً ما وسعه الجُهد ألّا يُصاب بفوبيا من الشيوخ، فالكُل واردٌ على الشيخوخة إن مُدَ في عُمره.


وهكذا، كان علّي أن أستمع إلى جمهورٍ (فتاي) من العجائز البيضاوات المُهتمات بشؤون اليمن للغاية، يتحدّث قبل الفيلم. وقد نصحت إحداهن مُدير برامج العرض بالاتصال بالمجتمعات الإسلامية والعربية في المِنطقة، ومحاولة المجيء بشخصٍ من اليمن ليتحدّث للجمهور بعد الفيلم، خصوصاً وأن الفيلم "يحتفي باليمن واليمنيين"، و"يُظهرهم للمرة الأولى في السينما الغربية".

 

كما وقفت سيدة لطيفة بجواري، بينما كُنت أنتظر أن يتحرك الأكبر سناً على الدرج، حتى أصعد إلى مقعدي المُفضل - الذي يكسُل مُعظم الجمهور عن الصعود إليه، لحُسن الحظ - وسألتني عمّا إذا كُنت قد جِئت لأتفرج على إيوان مكرويغر - بطل الفيلم - الذي لا شك يجذب الشابات في مثل سني.

 

أحاول ما وسعني الجهد ألّا أُطلق أحكاماً على الناس، لكن رأيي غير حميد في أي سيدة دون الأربعين مُولعة بممثلٍ ثقيل الدم مثل مكرويغر. ورأيي في أي عجوزٍ تفترض أن مجيء شخصٍ ليس من جيل البيبي بومرز لمشاهدة الفيلم عائدٌ إلى ولعه بأحد أبطاله أكثر سوءاً، غير أنني رددتُ بجدية: "لا، لقد جِئت لأتفرج على عمرو واكِد".

 

قطبت السيدة جبينها، فساعدتها: "الشيخ" وحينها التقطت الخيط، فأفتت لي بأنّه ممثلٌ يمني اكتشفه المُخرج بالصدفة بينما كان يبحث عن ممثلين لأداء الدور، ولم يُمثل في حياته من قبل، وقد صُوِرَت مشاهِد الفيلم في اليمن. (الخمسيني الذي كان يُصفر في عرض فيلم "توايلايت" (2011) كان أهون)!

بعد الفيلم، كان الوضع أسوأ، فقد استغرق مُعظم الحاضرين في نقاشات حول "ما ينبغي فعله في اليمن"، وقد وجدتُ التعبير الأمثل عن هذه النقاشات في العِنوان الساخر الذي اختارته مدونة "سكار اتاكِل حي يا مِنز!" المُخصصة للسخرية من الأفلام لهذا الفيلم: "التبرير الغربي لهجمات طائرات درون على اليمن". في كُل الأحوال، لم أقل إنني من اليمن، ولم أُجِب على أي سؤالٍ مُتعلق بالإثنية التي أنتمي إليها، طلباً للسلامة من هذه الجماعة التي تُفسِد علّي دائماً جو السينما الجميل، ومقاعدها الوثيرة، وشاشتها النقية.

الرجاء خلع العقول قبل الدخول!
الفيلم نفسه قليل القيمة: شيخ يمني ثري مولع بصيد السَلمُن يُريد أن يُدخِل صيد السَلمُن إلى جبال اليمن.

 

ي شخصٍ لديه معرفةٌ بدائية باليمن يعرف أن هذا مُستحيل، ليس بسبب درجة الحرارة فحسب - حيث أسماك السَلمُن بحاجة إلى مياهٍ باردة - وإنما للسبب الأبسط: لا توجد أنهارٌ في اليمن. مع ذلك، الفيلم يُجادِل بأن هذا مُمكِن نظرياً.

 

بالفعل، هذا مُمكِنٌ نظرياً، كما إنّه مِن المُمكِن - نظرياً - إنشاء حوضِ لأسماك السلمُن في محطة الفضاء الدولية. السؤال: لماذا؟ الجواب: لأن كُل شيء مُمكِن بالإيمان. مَنطِق الفيلم هذا يوحي بأن سيمون بوفوي قد استعان بنصائح بائع ماءٍ مُقدس تلفازي بينما كان يكتُب السيناريو. هيا بِنا نؤمن! وبدلاً مِن أن نفعل شيئاً مُفيداً بإيماننا هذا، هيا بنا نحرق المال ونشوي سمكاً عليه!

 

يُساعِد الشيخ في مُهمته هذه موظفة بريطانية في مكتب مُحاماة يُمثِل أملاكه في بريطانيا اسمها هارييت تشتوت تالبُت. وتلتقط الحكومة البريطانية خيط المشروع عن طريق باتريشيا مكسويل، المسؤولة الإعلامية عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني. في بداية الفيلم، نعرف أن القوات البريطانية قد قصفت حفلة عُرسٍ أفغانية بالخطأ، وتصيح مكسويل إنها تُريد "كُل عنزة في أفغانستان" أن تعرف أن الحكومة البريطانية آسفة لهذا الخطأ. وتنطلق في رحلةٍ للبحث عن قصةٍ جذابة من الشرق الأوسط، فتقع على مسألة صيد السَلمُن، وعندها تُجبر إدارة البيئة، وهيئة الأسماك على التعاون مع الشيخ، ويُجبَر الرجل العادي البريطاني د. ألفرِد جونز (إيوان مكرويغر) على التعاون مع هارييت والشيخ، بوصفه عالم أسماك، رغم أنّه يرى الأمر تضييعاً للجهد والمال.


أسماك السلمُن عادة ما تسبح عكس التيار، ويبدو أن هذا قد راق للمخرج لاسي هالستروم للغاية، فما انفك يُعيد مشهد سباحة الأسماك ضد التيار، ومسير ألفرِد جونز عكس اتجاه الماشين في الشارع، مراراً وتكراراً، حتى يكاد المرء أن يتوقع في نهاية الفيلم مُلحقاً يقول: بعد أن شاهدت الفيلم، أجب عن الأسئلة التالية: 1- ما دلالة سباحة الأسماك ضد التيار؟ وما علاقة ذلك بمسير جونز عكس اتجاه المشاة؟ 2- كيف تحولت حياة جونز بعد ذلك المشهد؟ 3- كيف دعم المُخرج سؤال الشخصيات عمّا إذا كان هُناك من هو "مُبرمج للحياة المملة على رصيف المُشاة" بصرياً؟


يُفترض أن الشيخ قد بنى سداً كبيراً في قريته الأصلية لأغراضٍ زراعية، وتكون منه ما يُشبه النهر العظيم (قذافي ستايل، على غرار القذافي)، وأن هذا سيكون النهر الذي تسبح فيه أسماك السلمُن. بقِي نقل عشرة آلاف سمكة سلمُن من الأنهار الإسكتلندية إلى اليمن، الأمر الذي يُحنِق الصيادين البريطانيين.

 

حين تعلم باتريشيا مكسويل بأن ثمة مليونا صياد في المملكة المُتحدة، فإنها تسحب دعمها للمشروع، وتُطالب الشيخ ومن معه باستخدام أسماك سلمُن من مزارع السمك، أسماك (داجنة)، الأمر الذي يُقاومونه في البداية ثُم يُذعنون له. تحاول باتريشيا جذب اهتمام الصيادين إلى رئيس الوزراء وكسب أصواتهم بينما يحاول الشيخ ومن معه تحقيق (معجزة).

 

                                          

 


في بداية الفيلم نرى هارييت على علاقة بجندي بريطاني يُرسل إلى العراق، ثم تُبلغ بأنّه مفقود، ومن ثم بأنّه قُتِل. بعد ذلك، يتضح أن الجُندي قد نجا، فتنسج مكسويل عرضاً مُتكاملاً. وزير الخارجية البريطاني يذهب لافتتاح النهر مع الشيخ اليمني، وفي الوقت نفسه يجلب لهارييت جُنديها المفقود أمام وسائل الإعلام: قصة تجمع بين الجيش البريطاني، والتعاون البريطاني العميق مع الشرق الأوسط. في النهاية، بريطانيا لها دولتها (العميقة) في الشرق الأوسط، ويصعب اجتثاها منه.


غير أن هارييت تحب ألفرد الآن، والمسألة مُعقدة. هناك إرهابيون يفتحون السد فيأتي سيل العَرِم (وإن كان بوفوي وهالستروم يجهلان مكانة سيل العَرِم في الوعي الجمعي اليمني) ويجرف كُل شيء في طريقه، مُدمراً النهر الصناعي.
هُنا، يختلف الفيلم اختلافاً جذرياً عن الرواية، إذ تتعامل الرواية مع العمليات السرية للجيش البريطاني، بينما يحاول الفيلم أن يمس الحرب مساً خفيفاً. كما أن الرواية تنتهي نهاية مأساوية، بينما الفيلم ينتهي نهاية متفائلة، يُلخصها ألفرِد جونز بالقول: “نحن نعرف ما سنفعل الآن، يجب أن نُشرِك المُجتمع المحلي معنا أكثر، وسيفهموننا”. هذه مُشكلة الحُقبة الاستعمارية: أنها لم تُشرِك الشعوب التي تستعمرها أكثر! هيا نلعب استعمار من جديد! هذه المرة، سنسمح لكم بمزيد من أدوار اللعب!

المُحسِن الغربي وكليشيهاته
الفيلم كسول جداً في اجتراره للكليشهات، كسول وبدائي. طريقة التصوير، الإصرار على بعض الرموز البصرية - مثل السلمُن السابح ضد التيار، الشيخ المزواج الذي يملك حكمة ما من الشرق - مع أنّه شيخ (عبيط) يُتلف الأموال التي نهبها من عرق الشعب على أوهام، الرجال المرتدون الزي اليمني ويجولون على الغرف قائلين "الله أكبر"، التنظيمات الإسلامية شبه القاعدية، البريطاني الذي يُنقِذ الشيخ فيرد له الشيخ الجميل، اليمنية مُغطاة الوجه التي تسقي الغرباء ماء قُرب الغروب، النهاية على طريقة الصف الرابع الابتدائي - نهايات حسن الإمام أكثر نضجاً بكثير.


غير أن أكبر كليشيه في الفيلم كان الموسيقى. داريو مارينلي موسيقار موهوب، وقد كان صاحب الموسيقى البديعة لفيلم "الكفارة" (2007)، لذلك فوجئت بأن يكون هو من وضع موسيقى فيلم "صيد السلمُن في اليمن" التافهة. شريط الصوت ليس إلا عبارة عن تنويعات على الأذان! مُنتهى الكسل! كان بإمكان داريو مارينلي أن يبحث في غوغل عن نماذج لموسيقى إسلامية، أو حتى يصنع تنويعات على موسيقى شهرزاد، لكنّه وضع تنويعات من الأذان ليُقنع الجمهور بأن هذا يدور في بلدٍ إسلامي.


لا يوجد في تصوير الفيلم أي شيء مُثير للاهتمام، غير الشبه الشديد بين المغرب - حيث صُوِرَت مشاهد اليمن - وبين اليمن. الجدير بالذِكر أنّه بينما نجح الفيلم في إيجاد مُعادلٍ بصري تام لقرية يمنية جبلية نائية، فقد فشل كُلياً في إيجاد أي شخصٍ يتحدّث أي لهجةٍ يمنية، رغم تعدد اللهجات العربية في الفيلم، من شامية ومغربية - وبطبيعة الحال - مصرية، حيث خطاب عمرو واكِد بالعربية كان باللهجة المصرية، إذ انتقل إليه كسل صُناع الفيلم، فلم يُحاول البحث عن أي لهجة يمنية ليُقلدها، أو حتى يتحدّث بالفُصحى فيسلم.


تمثيل واكِد كان معقولاً - في المساحة المُعطاة له، غير أن له مشهداً واحداً يتميز فيه، حين تظهر لمحة ذُعرِ وحشي على وجه الشيخ مع تهديده بالقتل، ذُعرٍ لحظي يزول فوراً، ويحاول بعده استعادة وجهه المُعتاد الناعِم المُتظاهِر بالحكمة. (الشيخ تنويع على شخصية عزيز أنور من فيلم "ممر إلى الهند" (1984)، لين الجانب للإنكليز، جبارٌ على أهله).

 

ثمة مشهدٌ آخر معقول، حين يقول إنّه يعرف من فجر السد، وإنّه لا جدوى من مُطاردتهم، ويُطالب الإنكليز بأن يُخبروه ما العدالة التي يُريدونها. تمثيل إيوان مكرويغر وإميلي بلنت باهت، ولا يتغير إيقاعه أبداً، طوال الفيلم. أمّا كريستين سكُت توماس، فوحدها تجعل هذا الفيلم التعيس مُحتملاً بأدائها المُمتاز. كانت مُراجعة نيويورك تايمز قد وصفتها بأنها تُقدِم شخصية شريرة للغاية، حتى أن الدم يسيل من فمها حين تنطق بعباراتها، لكنها قدمتها بطريقة حيوية.

واحدٌ من أكثر المشاهد طرافة، حين تذهب باتريشيا مكسويل لزيارة الشيخ في قصره الإسكتلندي، فيجعل حُراسه اليمنيين يلبسون ملابس إسكتلندية، ويصطفون لاستقبالها، وحين تراهم، تُهنئ نفسها: عيد ميلاد سعيد يا باتريشيا! في الأغلب، لم يقصد صُناع الفيلم ما فُهِم من المشهد: أن الشيخ يُتاجِر بلحم وشباب بني جلدته ليعرضهم بوصفهم نماذج أنثروبولوجية مُسلية للأجانب، إذ أنهم مثل (حُمران الرقاب) الذين كانوا يملأون صالة العرض للمشاهدة، ذوو نيةٍ حسنةٍ صادقة، والوكلاء الوحيدون للقيم الغربية (الحقيقية).

 

خُلاصة الفيلم أن الطريقة المُثلى لتحسين الحياة في اليمن - ووقف الإرهابيين الذين يأتون منها - إقناع المُجتمع المحلي بأن مشروع الشيخ لتقديم رياضة صيد السلمُن إليهم يهدف إلى تمدينهم، وجعلهم أكثر حضارة.

 

إنهم لا يحتاجون إلى مدارس جيدة، أو إلى نظامِ صرفٍ صحي جيد، أو إلى مُستشفيات جيدة، أو إلى نظام ريٍ جيد، أو إلى منازل جيدة، أو إلى طُرقات جيدة، أو إلى عدالة اجتماعية، أو إلى توزيع عادل للثروة. كُل ما يحتاجونه الإذعان للشيوخ (أصحاب الرؤى) الذين يمتصون دماءهم ليبتاعوا قصور الأرستقراطية الزائلة في بريطانيا، ويتعاونون مع البريطانيين لجلب مشاريع خرافية إليهم، تُلغي وجودهم أكثر وأكثر، وتحولهم إلى أدواتٍ فلكلورية لتسلية السياح. لا يُهِم حياتهم أو موتهم أو كيفية معيشتهم، المُهِم أن السمك يسبح عكس التيار، وأن البريطانيين غاية في السعادة لأنهم (يفهمون) الشعوب التي استعمروها سابقاً و(يساعدونها)، وأن الشيخ يُراكِم الأموال والحريم والهوايات العجيبة، وأن الكُل (مؤمن).

* مُصطلح "حمران الرقاب" ليس أكثر المُصطلحات ودية في العالم، وأشعر بشعور سيء حيال استخدامه، لكنّه أخف المُصطلحات التي تُستخدم لوصف هذه الفئة من السُكان. هذا مؤسف بالفعل، إذ أن هناك مُصطلحات ودية يستخدمها اليمين لوصف المتحررين اجتماعياً مثل:
urban liberals، أو "الليبراليون المدنيون"، بينما لا يوجد مُقابل ودي لحُمران الرقاب، إذ أن عبارات مثل "المحافظون البيض" أوسع بكثير من أن تُعطي معنى “الممثل الحقيقي والوحيد للقيم الأمريكية الحقيقية والسيد المسيح”.

 

**هند هيثم أديبة وكاتبة من اليمن تدرس في الولايات المتحدة




"من أغنية لأغنية" الحب نغمة مفقودة والحياة مشقة دائمة

"المنبوذون ".. فيلم يغنى للحياة ويحتفل بالإنسان

فيلم "تحت الظلّ" ما تأخذه الحرب لا يعود

عقار العنف بين البعد العلاجي والبعد السلطوي في فيلم "عقيدة قاتل"

"مرحباً بكم في دونغ ماكجول" كوميديا كورية عن الحرب

"قبل أن أسقط": البحث عن الاستقرار في فوضى اللاستقرار

"اللصوص" وكيفية صُنع فيلم مُختلف

"كل لا يتجزأ" بين الواقع والأسطورة والفانتازيا

"أكون أو لا أكون" لإرنست لوبيتش أو السفر المعكوس

فيلم "وظيفة رجل": الحفاظ على الكرامة بخسرانها

جماليات الموت في فيلم "الجمال الجانبي"

عودة إلى الحرب في أفغانستان من خلال مراسلة صحفية

فيلم "غرباء مثاليون": عندما تكتشف ان الأقرباء ماهم الا غرباء

السرد الرومانسي الكلاسيكي: فيلم شكسبير عاشقا نموذجا

الفيلم الأمريكي "المسافرون": رحلة خيالية إلى عالم جديد

"عناق الأفعى" تحفة سينمائية من كولومبيا

فيلم "الشعوذة" ورعب الأرواح المتسللة إلى منازلنا وأرواحنا!

حيوانات ليلية: توني وسوزان وما بينهما

"زود" بانوراما بصرية عند أقدام الصقيع

فيلم "ميموزا" الفائز بـ"الهرم الذهبي": متاهة البحث عن النهاية
التنقل بين الصفحات :