GMT آخر تحديث: الأحد 19 نوفمبر 2017 10:22:00  -   GMT الإثنين 20 نوفمبر 2017 02:05:31 
banner عين على السينما Eye on Cinema
 
 
أحدث الأخبار
أفلام عن الهجرة والإرهاب تكتسح جوائز بامبي الألمانية
مسابقة الدورة الـ39 لمهرجان نانت القارات الثلاث فرنسا للسينما
70 فيلما في مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان في الأردن
جيمس فرانكو يخرج فيلما عن كواليس "أسوأ فيلم سينمائي على الإطلاق"
 
الأكثر قراءة
شريف عرفة.. "الكنز" لا يَليقُ بك
"الطيور الغاضبة" لن تنتظر النسر
فيكتور إريثه: ليس جمال الصورة، بل جمال الحقيقة
سينما الفن تنتصر في مهرجان فينيسيا السينمائي
 
كتب سينمائية للاطلاع والتحميل
كتب سينمائية للاطلاع والتحميل
 
فيديو اليوم
 
صور اليوم
 
 
إستفتاء
 
 
ورشة سينما الشباب
 
 


"حياة باى".. البحث عن الإيمان فى قلب المحيط!


الخميس 24 يناير 2013 00:45:00


"حياة باى".. البحث عن الإيمان فى قلب المحيط!

 

                     

 

محمود عبد الشكور

 

 

 

يجمع فيلم "life of pi" الذى أخرجه "انج لى" بين عناصر تبدو متناقضة للوهلة الأولى، فى بناء الفيلم وفى مغزاه صعوبات كثيرة يمكن أن تفسد العمل أو تصرف مشاهده عن المتابعة، ولكن الفيلم الذى ينافس على جائزة الأوسكار لهذا العام، يخرج من التجربة بصورة مُرضية الى حد كبير.

 

أولى الصعوبات فى بساطة الحكاية التى يمكن تلخيصها فى سطر واحد هو نجاة صبى من الموت غرقاً فى المحيط الهادى، ولكن فى مقابل هذه البساطة الحكواتية فإن الفيلم يناقش مسألة هامة هى قضية الإيمان بالله وبالأديان، فكرته الكبرى فى أن الرحلة روحية بالأساس، وإن بدت فى صورة أقرب الى مغامرات الأطفال.

 

كثيرون يمكن أن يفهموا، استناداً الى الأفيش مثلاً، أن الفيلم موجّه للأطفال، أو قد يظنون أنه من إنتاج مصنع ديزنى، بينما هو فى الحقيقة فيلم للكبار، وربما كان أيضاً لفئات مختلفة من هؤلاء الكبار، أطياف واسعة من البشر تبدأ من الإيمان الكامل الى الشك المطلق، لا شك أن هذه الثنائية التى تبسط الشكل رغم عمق المضمون وخطورته، يمكن أن تخلق تفاوتاً واضحاً فى استقبال الفيلم، والتفاعل معه.

 

 من الصعوبات أيضاً أن الجزء الأكبر من الفيلم أقرب ما يكون الى المونولوج، صبى صغير يكاد يتحدث مع نفسه لأنه وحيد مع نمر بنغالى، ولكن السيناريو الذى كتبه ديفيد ماجى عن رواية يان مارتيل، استطاع التخفيف من ذلك بوضع سرد مواز بين بطل الفيلم الذى يحكى قصته، وكاتب يريد أن يسجّلها، أتاح ذلك التدخل بالتعليق على مشاهد الصبى فى مواجهة النمر، كما أتاح صنع حبكة إضافية تفسّر الحبكة الأصلية، القصة ليست رحلة إنقاذ للصبى فقط، ولكنها أيضاً رحلة إنقاذ للكاتب الذى يبحث عن الله.

 

تبدو الصعوبة الثالثة فى أن الحكاية نفسها تتأرجح بين الواقع والرمز، ضبط هذه المعادلة ليس سهلاً وخصوصاً أن بطل الفيلم من الهند التى توجد بها عشرات الديانات والعقائد، داخل الفيلم سنشاهد رقصات شبه صوفية للفتيات، كل حركة باليد أو القدمين لها معنى وترجمة، يضاف الى ذلك الأبطال من عالم الحيوان، نمر وضبع وقرد وحمار وحشى، كل كائن يعبر عن صفات وطبائع، هناك فى الحقيقة مزيج غريب رغم أن الرحلة نفسها، وفكرة اللجوء الى جزيرة ليست جديدة، شاهدناها فى أعمال كثيرة ربما أشهرها مغامرة روبنسون كروزو.

 

منذ مشاهد العناوين، نجد أنفسنا داخل حديقة حيوان رائعة، نسمع بطل الفيلم "بيسين باتل" أو باى وهو يحكى للكاتب حكايته، والد باى كان رجل أعمال يعيش فى بونديتشرى، الجزء الفرنسى من الهند، عندما أعيد هذا الجزء عام 1954، قرر الأب إنشاء حديقة للحيوان، ولد باى نفسه وسط الحيوانات، وأشرف على ولادته طبيب بيطرى، الأب كان مختلفاً، أعجبه اسم حمّام للسباحة فى فرنسا، فأطلق على ابنه اسم "بيسين"، الطفل نفسه أصبح سباحاً رائعاً بفضل استاذه "ماماجى"، لم يكن يضايق باى إلا اسمه الغريب، وتعليقات زملائه وأساتذته عليه.

 

الكاتب لم يطلب من باى أن يحكى حكايته إلا بناء على نصيحة المدرب "ماماجى"، قال الرجل للكاتب إن حكاية باى ستقنعك أن تؤمن بالله، تتحدد منذ البداية الفكرة فى أن المغامرة التى سنراها ليست رحلة غرائبية فحسب، ولكنها رحلة تأملية ورمزية وروحية، يتأكد ذلك عندما تبدواهتمامات باى الصبى بالإديان الكثيرة فى الهند، ولد هندوسياً، افتتن بالآلهة الكثيرة، ولكنه أحب الله من خلال الكنيسة، وذهب أيضاً الى الصلاة فى المسجد.

 

حجرات الإيمان

عندما يستغرب الكاتب لأن الطفل باى جمع بين ثلاثة أديان، يرد عليه الرجل باى بأن الإيمان اشبه بالمسكن الواحد متعدد الحجرات، يسأله: وماذا عن الشك؟، يرد باى: الشك موجود فى كل الحجرات، ولكنه ضرورى لتقوية الإيمان.

 

والد باى كان أكثر حسماً، إنه يعتبر أن الديانات ظلمات، لايؤمن إلا بالتفكير العقلى المنطقى، يعتبر نفسه جزءاً من الهند الجديدة، عندما يتهوّر باى بتقديم قطعة لحوم الى النمر البنغالى الذى يحمل اسم "ريتشارد باركر"، يقوم الأب بتقديم ماعز للنمر، لكى يدرك ابنه بطريقة عمليّة مدى وحشية النمر، والدة باى أيضاً تعتبر نفسها جزءاً من الهند الجديدة، ولكنها ترى أن الدين هوالشئ الوحيد الذى يربطها بوطنها، أما رافى، شقيق باى الأكبر، فهو يستنكر أن يجمع شقيقه بين عدة ديانات/ حجرات فى وقت واحد.

 

تسوء الظروف الإقتصادية فى بوندتشيرى، فيقرر الأب الهجرة الى كندا على سفينة يابانية، حاملاً معه حيواناته لكى يبيعها فى الولايات المتحدة، كان باى قد اقترب من فتاة اسمها آناندى، افترقا بلا عودة، بدأت الأسرة رحلتها الى المجهول، عاصفة هائلة ستحطم السفينة، يسقط قارب الإنقاذ الذى يحمل باى، تقفز معه عدة حيوانات، يجد نفسه فى بداية رحلة تستغرق منه 227 يوماً هى قلب الفيلم بأكمله.

 

                

 

لا يمتلك الصبى باى سوى كتاباً يتحدث عن وسائل الإنقاذ، وطرق البقاء على قيد الحياة، بالإضافة الى وسائل التغلب على دوار البحر، لديه أيضاً مؤونة من الماء والغذاء، ولديه عوّامة صغيرة يهرب إليها، بعد أن اكتشف أن فى القارب النمر ريشارد باركر، وأحد الضباع المفترسة التى سرعان ما تفتك بالقرد، ثم يقوم باركر بالفتك بالضبع وبالحمار الوحشى، ويبقى باركر فى مواجهة باى.

 

يطلب باى معونة السماء، لاتهمه النتيجة، يريد فقط أن يفهم ويعرف، مازال فى مخيلته افتراس النمر باركر للماعز التى قدمها له الأب، القلب ملئ بالحزن لأن الصبى لا يعرف مصير عائلته، النمر لابد أن يأكل اللحوم يومياً، يضطر باى لصيد الأسماك، تتغير العلاقة من العداء الى محاولة التدريب والترويض، لا ينسى باى أنه قال لوالده أنه يرى روحاً وراء عيون النمر الشرسة، ولا ينسى أن الأب قال له إن ما تراه هى الأفكار التى تتردد فى ذهنك أنت.

 

بالتدريج يكتسب النمر مدلولاً واضحاً، هذه اليد التى تبدو متوحشة ستكون سبباً كما يقول باى فى إنقاذه، لولا خوفه منه، لما ظل يقظاّ وجاهزاً، لولاه ما ابتكر وسائل وأدوات للبقاء، عندما تثور عاصفة جديدة، يستسلم باى للموت، ولكنه يجد نفسه فجأة مع باركر فى قلب جزيرة غريبة مليئة بالسناجب، هناك بحيرة للمياه، وهناك أعشاب صالحة للأكل، ولكن هروب السناجب وباركر، واكتشاف أحد أسنان البشرالموتى، وتحول المياه الى مياه مسمومة ليلاً، كل ذلك يدفع باى الى الهرب من الموت، إنها جزيرة تأكل البشر كما يقول.

 

 

 قصة النجاة

ذات صباح، يجد باى نفسه على شاطئ المكسيك، منهكاً ومريضاً، يتركه باركر بدون أن يلتفت إليه، يغيب فى قلب الأشجار، يبكى باى لأنه لم يودّع باركر، يتذكر كل من فقدهم، أمه وأبيه وآناندى، يسأل الكاتب باى الرجل عن نهاية القصة، يقول باى إنه تعرّض للإستجواب من اثنين من موظفى الشركة اليابانية صاحبة السفينة الغارقة، سألوه عن أسباب غرقها، حكى لهم قصته الغريبة فلم يصدقوه، فقرر أن يحكى لهم قصة أخرى.

 

قال لهم إنه نزل الى القارب مع أمه وطباخ السفينة الشرس وأحد البحارة، ولكن الطباخ قتل البحار والأم لكى يوفّر الطعام، الغريب أنهما وجدا القصة الجديدة يمكن تصديقها، يسأل باى الكاتب: أيهما تفضّل، قصة النمر أم القصة الجديدة؟ يقول الكاتب: قصة النمر بالطبع، يقول باى: هذه إذن القصة التى يوجد فيها الله، ينتهى الفيلم بمشهد اختفاء باركر وسط الأشجار.

 

يمكن أن نفهم هذه النهاية بمدلولات مختلفة، لعل أهمها أن باى لا ينكر دور المنطق، ولا دور العقل الذى ساعده على الصمود، بل إنه يرى أنه يمكن أن توجد قصص بدون آلهة، ولكنها ستكون بلا روح على الإطلاق، بدون إله سيكون الإنسان مثل الوحوش التى ركبت معه القارب، والتى أفترست بعضها البعض، لايغلق الفيلم الباب أمام من لا يعتقد فى أن النمر والجزيرة هدايا سماوية من الله، ولكنه يقول إن هناك من يؤمن بهذه القصة الروحية الرائعة.

 

باى متسامح تماما مع الكاتب الشكاك، ولكن الكاتب سيجد فى رموز الحكاية ما يستحق النظر، من المفارقة أن يغرق الأب الذى يؤمن بالمنطق، وأن يعيش الابن الذى يؤمن بالروح خلف العيون، من المفارقة أن يكتشف باى على الجزيرة ما يشبه مظهر زهرة اللوتس  حيث توجد الأسنان البشرية، الزهرة التى عبّرت عنها آناندى فى إحدى رقصاتها، لايطلب الفيلم من مشاهده سوى أن يتعامل مع الإيمان باعتباره رحلة رمزية حتى لو تنكرت فى شكل مغامرة عجيبة.

 

                                          

 

المعنى الواضح تماماً هو أن الإنسان لا يمكن أن ينجو بمفرده، هناك تلك اليد الغامضة الى تنقذه فى اللحظات الأخيرة، يقول باى إن الله ينقذنا عنما نظن أنه يتجاهلنا، ويمنحنا المساعدة عندما نظن أنه قد نسينا، الخبرة هنا روحية وليست عقلية، إنها تقترب من فكرة التجربة بالمفهوم الدينى.

 

ربما تتقاطع فكرة الفيلم مع الحكاية المعروفة عن أحد المتصوفين المسلمين، سأله أحد البحّارة قائلاً: لقد سافرت فى كل البحار، ولكنى لم أجد الله، فقال له المتصوف: ألا يحدث أحياناً أن تهب العواصف، قال الرجل: دائماً ما يحدث ذلك، قال المتصوف: ألا تشعر بأن الماء يحيط بك وأنك على وشك الغرق، قال الرجل: كثيراً ما أتعرض للموت، قال المتصوف: ألا تشعر أن يداً تحيط بك وتمنحك الأمل فى النجاة، قال الرجل: أشعر بذلك بالتأكيد، قال المتصوف: فهذا هو الله.

 

الى حد كبير يعبّر باى عن نفس المعنى، والى حد كبير تنغلق الدائرة بأسرة جديدة يكوّنها باى بعيداً عن الهند، ولكن الكاتب الذى أعجبته الحكاية، ووصل إليه مغزاها الروحى، وفهم معنى تسخير الوحش لإنقاذ الإنسان، لم يعلن موقفه بوضوح، على الأرجح ستكون لديه أسئلة أخرى، ولكن الباب اصبح مفتوحاً، باى نفسه لا يرفض الشك الذى يكمن دوماً فى كل الحجرات.

 

على المستوى البصرى، ينجح آنج لى فى تحويل الفيلم الى لوحات ملونة، الصورة ثرية للغاية وتأثيرها قوى وجذاب باستخدام تقنية البعد الثالث، استخدم لى فى مشاهد المحيط الليلية اللونين الأزرق والأسود، واستخدم فى مشاهد الصباح اللونين البرتقالى والأبيض، ساهمت الإمكانيات الضخمة فى تجسيم مشاهد العاصفة والجزيرة، تميز الفيلم بموسيقى ساحرة عبّرت عن البعد الروحى للرحلة، هناك أيضاً فريق مذهل للمؤثرات البصرية وخدع الجرافيك، نجح فى دمج مشاهد الحيوانات الكثيرة مع العناصر البشرية بمنتهى السلاسة والإتقان، أداء الممثلين كان جيداً خصوصاً كل من لعبوا دور باى فى مراحله المختلفة، الملاحظة الغريبة فى أن جيرار ديبارديو ظهر فى مشهد واحد فى دور طباخ السفينة المتعجرف، لم يكن الدور يستحق هذا الظهور لا شكلاً ولا مضموناً!

 

"حياة باى" كانت تنقصها التجربة الشاقة، الرحلة الصعبة التى تغيّر الإنسان الى الأبد، تحكى له الأم عن الإله  الهندى فيشنو الذى اتهموه  بابتلاع التراب، فلما فتحوا فمه، وجدوا داخله العالم بأكمله.

 

  اكتشف باى فى النهاية عالماً بأكمله، رأى الله فى قلب المحيط، ورأى الروح داخل الوحش، وعرف أن الفقد قد يكون أحياناً هو الطريق الوحيد لكى تجد.




"الطيور الغاضبة" لن تنتظر النسر

البابا الأميركي "بيوس" الثالث عشر: مؤمن أم ملحد أم مهرطق؟

"بيبي درايفر" فيلم الموسم: مزيج من الموسيقى والإثارة والحركة والرومانسية

"باترسون" لجيم جارموش.. الهايكو سينمائيا

"ابنة عمي راتشيل" كلاسيكية حديثة عن الحب القاتل

"زمن الخيول المخمورة".. المساحات المخصومة من الحياة

"البحث عن أم كلثوم" صورة استشراقية ساذجة لأسطورة الغناء العربي

استعادة التحفة السينمائية الخالدة "نابليون"

عن المسلسل الأمريكي "ثلاثة عشر سببا لماذا؟"

"النبي المحظور".. دراما تسجيلية عن الهوس الديني

"من أغنية لأغنية" الحب نغمة مفقودة والحياة مشقة دائمة

"المنبوذون ".. فيلم يغنى للحياة ويحتفل بالإنسان

فيلم "تحت الظلّ" ما تأخذه الحرب لا يعود

عقار العنف بين البعد العلاجي والبعد السلطوي في فيلم "عقيدة قاتل"

"مرحباً بكم في دونغ ماكجول" كوميديا كورية عن الحرب

"قبل أن أسقط": البحث عن الاستقرار في فوضى اللاستقرار

"اللصوص" وكيفية صُنع فيلم مُختلف

"كل لا يتجزأ" بين الواقع والأسطورة والفانتازيا

"أكون أو لا أكون" لإرنست لوبيتش أو السفر المعكوس

فيلم "وظيفة رجل": الحفاظ على الكرامة بخسرانها
التنقل بين الصفحات :